سافرتُ إلى اسطنبول يومَ الثالث عشر من شهر أبريل/نيسان عام 1968م. بعد أن حضرَ جمعٌ غفيرٌ من المريدينَ محطّةَ القطارِ بمدينةِ تطوان الواقعةِ بشرقي تركيا لتوديعي.وما أنْ أقلع القطارُ، حَتَّى زارني كبيرُ الموظفينَ بِهِ فَمَثُلَ بين يَدَيَّ باحترامٍ قائلًا: يا مولانا! قد أعددتُ لسماحتكم حُجْرَةً خاصَّةً تقضونَ فيها مدّةَ السَفَرِ إلى اسطنبول... فانتقلتُ مع زوجَتي إلى الحجرة المخصّصةِ لنا؛ وهكذا، إلى أنْ اسْتَقْبَلَتْناَ جماعةٌ كثيفةٌ من المريدينَ في محطّةِ الوصولِ بإسطنبول، ثم أصبحتْ داري في هذه المدينةِ منذ بدأِ إقامتنا مَقْصِدًا للزّائرينَ، وكنتُ يومئذٍ بالغًا من العُمُرِ ثلاثةً وعشرينَ عامًا.ورغم هذه المكانة الوراثيّةِ في مثل هذا السنّ المبكّرِ كانتْ تنتابُنِي تساؤلاتٌ وهواجسُ أحاسِبُ بها نفسي: - ما لنا وهذه الأُبَّهَة والحَشَم والتمايُز! وما أرى ذلكَ إلاّ لأنّ النّاسَ يعتقدونَ فِينَا (نحن زمرةِ شيوخِ الطّرائقِ الصوفيةِ) من الكرامة والبركةِ ما لا يعتقدونَ في غيرِناَ. نعم كان الأمرُ كذلك، فكُناَّ في اعتقادِهم: زمرةً من المصطفين الأخيار، والمجتبينَ الأبرار، لا يشقى جليسُناَ ولا يُرَدُّ لنا دُعاءٌ...ولم ينته الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل كُناَّ أيضًا في اعتقادِهم:مُفَوَّضينَ من طرف اللهِ، نتصرّفُ في مُلكِهِ كيفَ نشاءُ، ونعلمُ الغيبَ، وتنطوي لنا الأرضُ، نقطع المسافات البعيدةَ في لَحَظاَتٍ، ويتوقّف لنا الزمانُ فنُصلّي في الكعبة المشرفةِ وفي مسجد الحيِّ في آنٍ واحدٍ... إلى غيرِ ذلكَ من خزعبلاتٍ لا صحةَ لها دينًا وعقلًا.