وقال الخازن: ولا منافاة بين الآية والحديث كما تقدم في تفسير ألفاظ الآية من أن الله أخرج ذرية آدم من ظهره على سبيل التوالد بعضهم من بعض كما في الخارج، وكلهم بأجمعهم من ظهر آدم الذي هو أصلهم فبهذا الطريق أمكن الجمع بين الآية والحديث، إذ ليس في معنى ألفاظ الآية ما يدلّ على بطلان ذلك ونفيه وقد ورد الحديث بثبوت ذلك وصحّته فوجب المصير إليه والأخذ به جمعًا بين الآية والحديث.
القول الثّاني:
انتصر الرّازي للقول الأوّل.
قال الرازي: فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة، فوجب المصير إليهما معًا، صونًا للآية والخبر عن الطعن بقدر الإمكان.
إلا أنّ الرّازي والنّيسابوري جوّزا حمل الآية على المعنى الآخر الذي سيأتي في مسلك التّرجيح وهو أنّ المراد بأخذ الذّرّيّة هو استخراجهم من ظهور آبائهم في الدّنيا إلى أرحام أمهاتهم ثم خروجهم إلى الدّنيا، وأخذ الميثاق عليهم بما نصب لهم من الآيات والدّلائل الكونيّة الدّالة على ربوبيّته، فكأنّهم بلسان حالهم لَمّا رأوها قالوا: (بلى) وشهدوا على أنفسهم بهذا الميثاق وكل هذا من باب التّمثيل، وليس هذا هو المراد به في الحديث مع صحة ما جاء به الحديث على أنه ميثاق آخر.
وقال الرّازي بعد ذكر هذا القول: لا طعن فيه ألبتة.
القول الثّالث:
وهو قول العزّ بن عبد السّلام في حمل المراد باستخراج الذّرّيّة في الآية على استخراجهم في هذه الحياة كما هو ظاهر الآية، وحمل الإشهاد في الآية على الميثاق الذي أخذه الله - تعالى - من العباد عندما خلق آدم وهم في عالم الذّرّ كما هو ظاهر الحديث، وذلك على جعل الواو في قوله: (وأشهدهم) واو الحال، وعلى إضمار (قد) قبل (أشهدهم) .
قال العزّ بن عبد السّلام فلا يُترك شيءٌ من ظاهر الآية ولا من ظاهر الخبر.
وقد استدلّ أصحاب مسلك الجمع بمجموعة من الأحاديث والآثار التي تفسّر الآية وتدل على ثبوت هذا الميثاق، ومنها ما يلي:
1 -حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدّم، وقد سبق الكلام عن صحّته ودلالته على المراد.