فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 320

الدّراسة والتّرجيح

الحقيقة المتأمّل في حديث عائشة رضي الله عنها لا يجد بينه وبين الآية أيّة تعارض، لأنّ الذي يدلّ عليه الحديث هو الدّوام على العمل الصالح وليس الإكثار منه كما هو مراد الآية، ولا شكّ أنّ هناك فرقًا بين الدّوام والإكثار، فمن الأعمال ما تداوم عليها ولكنك لست بمكثر منها، كأن تحافظ على عمل من الأعمال في السّنّة مرّة أو في الشّهر مرّة ونحو ذلك، فأنت في الحقيقة مداوم عليه ولكن لا يعد ذلك منك من قبيل الإكثار في العمل، وعلى ذلك يندفع موهم التعارض بين الآية وحديث عائشة رضي الله عنها.

قال ابن الأثير في بيان كلام عائشة رضي الله عنها: شبهة عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر.

أما القول إن آخر حديث عائشة رضي الله عنها: (وأيّكم يستطيع ما كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يستطيع) يدل على إكثاره من العمل الصالح، فيجاب عنه بما يلي:

فإن قولها يحمل على المداومة على العمل الصالح، فالمداومة على أي عمل لا يستطيعه كل إنسان.

وليس معنى قولنا هذا إنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليس بمكثر من الأعمال الصّالحة، بل إن حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فيه الدلالة الواضحة والصريحة على إكثاره - صلى الله عليه وسلم - من العبادة وحرصه عليها.

ولكن يجاب عليه: بأنه لا يمنع مع إكثاره - صلى الله عليه وسلم - من العمل الصالح أن يكون هناك أعمال صالحة في علم الغيب لم يعلمها وكان يرجو أن يعلمها ليعمل بها، والله تعالى أعلم.

لذلك فالذي يظهر في المراد بالخير في الآية العموم لكلّ خير من أمور الدّين والدّنيا، وهو ما جاء تفسيره عن جمهور المفسرين ولا يخصّص ذلك الخير إلا بدليل، وما جاء عن بعض المفسّرين من تخصيص فلعلّه من باب التمثيل للمراد من الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت