قال الزجاج: فأعلم الله - عزّ وجلّ - أنّ كفًّا من تراب أو حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بشر، وأنّه عزّ وجلّ تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فقال عزّ وجلّ:
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أي لم يصب رميك ذاك ويبلغ ذلك المبلغ بك، إنّما الله عزّ وجلّ تولى ذلك، فهذا مجاز {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .
قال ابن تيمية: فإنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب، وقال: (شاهت الوجوه) فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم، وكانت قدرة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عاجزة عن إيصالها إليهم، والرّمي له مبدأ، وهو الحذف، ومنتهى وهو الوصول، فأثبت الله لنبيّه المبدأ بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} ونفى عنه المنتهى، وأثبته لنفسه بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي، فإنّ هذا تناقض.
القول الثّاني:
إنّ المراد بالرّمي المنفي عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - هو تقدير هذا الرّمي وإيجاده فالمقدّر له والموجد له في الحقيقة هو الله تعالى، وأمّا الرّمي المثبت للرّسول عليه الصّلاة والسّلام هو ما قام به الرّسول - صلى الله عليه وسلم - من الرّمي اكتسابًا وقصدًا مِمّا قدّره الله عزّ وجلّ له.
وإليه ذهب ابن عطية، والقرطبي، وزكريا الأنصاري.
قال القرطبي: إعلامًا بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده.
القول الثّالث:
إنّ المنفي من الرّمي عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - هو تسبيب وتسديد هذا الرّمي والمثبت هو ما قام به عليه الصّلاة والسّلام من الرّمي اكتسابًا على حسب قدرته البشريّة، فالله عزّ وجلّ منه إيجاد الأسباب وتسديدها وتأثيرها في الفعل، والرّسول عليه الصّلاة والسّلام عليه الفعل والقيام به.
وهذا القول جمع بين القولين السّابقين وإليه ذهب ابن جرير، والباقلاني.