وقال القرطبي: والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن البخاري ذكر هذا الحديث من رواية ابن عباس، وساقه سياقة هي أتقن من هذه، وليس فيها هذا اللفظ، فقال عنه عن عمر: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه، فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عمر: وثَبَتُ إليه، فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبي؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا - أُعدِّد عليه - قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أخر عني) فلما أكثرت عليه قال: (إني خيرت فاخترت، لو أني أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها) قال: فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} ، قال: فعجبتُ بَعْدُ من جرأتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والله ورسوله أعلم.
قلت: وهذا مساق حسن، وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال المتقدم، فهو الأولى.
الدراسة والترجيح
الذي يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من مسلك الجمع وأنه ليس هناك تعارض في الحقيقة وليس هناك نهي سابق عن الصلاة على المنافقين وما جاء من قول عمر رضي الله عنه هو ما فهمه من الآية التي قبلها في قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وهذا على أن النهي عن الاستغفار يدخل فيه النهي عن الصلاة عليهم، لذلك لما قال عمر رضي الله عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أتصلي وقد نهاك ربك، قال عليه الصلاة والسلام: (إنما خيرني فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} .
ويستدل أيضًا لهذا القول بما ذكره ابن حجر - رحمه الله تعالى - سابقًا من أدلة في تأييد هذا القول، والله تعالى أعلم.