القول الأول في مسلك الجمع صحيح في نفسه وفيه دفع لإيهام التعارض بين الآية والأحاديث، ولكن القول به يلزم منه ترجيح معنى الآية على أنها في سياق بيان أصناف الناس عند تقدير أمورهم وهم في بطون أمهاتهم، وهذا لا يسلَّم به لأن الذي يظهر أن الراجح في سياق الآية الحديث عن إثبات البعث والنشور، كما رجح ذلك ابن جرير وبناء على ذلك يظهر أن الراجح في دفع موهم التعارض هو القول الثاني.
قال ابن القيم عن القول الأول: قلت: هذا المعنى صحيح في نفسه، دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة، وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه، والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها أو أمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان. فقال:
{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) } ، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} ، وقوله {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} الآية، وقوله:
{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) } إلى قوله: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) } وقوله:
{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) } أي على رجع الإنسان حيًا بعد موته، هذا هو الصواب في معنى الآية.
يبقى أن يقال: فكيف يرتبط هذا بقوله: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} فيقال: هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية، ومن تأمل الآية علم أن القول أولى بها. ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علمًا وعملًا واعتقادًا، فأمر سبحانه فيها بالقسط، الذي هو حقيقة شرعه ودينه، وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل، العدل في معاملة الخلق، والعدل في العبادة، وهو الاقتصاد في السنة.