ثانيًا: مسلك النسخ: أن الآيات منسوخة بما جاء في الأحاديث، وأن الأمر في الآيات عن عدم الجهر كان في مكة خشية أن يسمع الكفار القرآن فيسبون القرآن ومن أنزله.
قال المناوي: الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصل أو نائم، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل به أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى السامع ولأنه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه، إلى الفكر ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ويزيد في النشاط.
وأما قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية فأجيب عنه بأن الآية مكية نزلت حين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر بالقرآن فيسمعه الكفار فيسبون القرآن ومن أنزله، فأمر بالترك سدًا للذريعة وقد زال ذلك، وبأن الآية محمولة على الذاكر حال القراءة تعظيمًا للقرآن أن ترفع عنده الأصوات، وبأن الأمر في الآية خاص بالنبي الكامل المكمل والأرواح القدسية، وأما غيره ممن هو محل الوسواس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرًا في دفعها، وأما قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) } فذلك في الدعاء لا في الذكر، والدعاء الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة، ولهذا قال الله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} .
الدراسة والترجيح
الراجح والله - تعالى - أعلم أن الأفضل هو الإسرار وعدم الجهر بالدعاء والذكر وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، ويدل عليه صريح الآيات السابقة، والأحاديث الصحيحة الصريحة ومنها:
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكنا إذا أشرفنا على وادٍ هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنه معكم سميع قريب) .
ولكن قد يشكل على هذا القول رفع الصحابة أصواتهم بالذكر بعد الصلاة كما جاء هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم في صحيحه.
ويجاب على هذا أن الأفضل الإسرار كما هو في عموم الأدلة إلا أن يأتي دليل يُخصَّص به ذلك العموم كما جاء في الذكر بعد الصلاة وغيره.