قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا"؛ أي أدْرَكْنَا وَقْتَنَا الذي وُقَّتَ لنا. قِيْلَ: إنَّ المرادُ به وقتُ البعثِ، وَقِيْلَ: إن المراد وقتُ الموتِ. وفي هذا دليلٌ على أنه لا يكون للمقتول أجَلاَنِ بخلافِ ما يقولُ بعض القومِ: إنَّ المقتولَ لو لم يُقتل لكان يبقى حَيًّا لا محالةَ. لأنه قد كان في هؤلاءِ مقتولون وقد أُخْبرُوا كلُّهم أنَّهم قد بلغُوا أجلهم الذي أجَّلَهُ الله لَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ"؛ أي قالَ اللهُ تَعَالَى: النَّارُ مقرُّكم ومَنْزِلُكمْ؛ فإنكم قد أقْرَرْتُمْ على أنفسكم باستحقاقِ العذاب ولزُومِ الحقِّ عليكم، قَوْلُهُ تَعَالَى:"خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ"؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَكَانَ مَا شَاءَ اللهُ بقَوْلِهِ:"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ" [النساء:48] ) .
وَقِيْلَ: معناه:"إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ"ما بَيْنَ البعثِ من القبرِ إلى وقت الفَرَاغ من الحساب؛ فإنه لا يكون لَهم عذابٌ في ذلك الوقت. وَقِيْلَ: معناه:"إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ"أن يعذِّبَهم من صُنُوفِ العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ"؛ في عِقَابهِ؛"عَليمٌ"؛ بقَدْر ما يستحقُّونَ من العذاب.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:"وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ"أي مِثْلَ ما قصَصْنَا عليكَ من تسليطِ الجنِّ على الإنس؛ كذلك نُسَلِّطُ بعضَ الْمُجْرِمِيْنَ على بعضٍ، ثم يُنْتَقَمُ منهما جميعًا في الآخرةِ بالنَّار. وقال بعضُهم: معناهُ: يَتْبَعُ بعضُهم بعضًا في النار من الْمُوَالاَةِ. وقال بِعضُهم: يُسَلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، يدلُّ عليه قوله":"مَنْ أعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ"."