قال سِيْبَوَيْهِ: (إنَّ الدَّعْوَى تَصْلُحُ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَيَجُوزُ أنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى الْمُسْلِمِيْنَ وَدُعَاءِ الْمُسْلمِينَ) . فإن قِيْلَ: إنَّ الهلاكَ يكون بعد البأسِ؛ فكيفَ قال:"أَهْلَكْنَاهُمْ" [الكهف:59] "أَهْلَكْنَاهَآ" [الأنبياء:6] "فَجَآءَهَا بَأْسُنَا"؟ قِيْلَ: إنَّهما يَقَعَانِ معًا كما يقالُ: أعطيتَني فأحسنتَ. ويجوزُ أن يكون التقديرُ: أهْلَكْنَاهَا في حُكْمِنَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ"إخبار عن حالهم يوم القيامة. ودخول الفاء أوِّلَ في هذه الآية لتقريب ما بين الْهَلاك وسؤال يوم القيامة. والمعنى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ: هل بلَّغَتكُم الرسلُ الرسالَةَ؟ وماذا أجبتُموهم؟ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ: هل بَلَّغْتُمْ قَومَكم ما أُرسلتُم به؟ وماذا أجابُوكم؟
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ"؛ أي لَنَجْزِيَنَّهُمْ بما عملوا بعِلْمٍ منَّا؛ معناهُ: إنَّا لَنَسْأَلُهُمْ لِنَعْلَمَ أنَّ ما نسألُهم لإقامةِ الحجَّة عليهم. قَوْلُهُ:"وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ"معناهُ: إنَّا كُنَّا عالِمين بكلِّ شيءٍ من تبليغِ الرِّسالةِ وجواب الأُمَمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ"؛ أي وَزْنُ الأعمالِ يومَ القيامة الحقُّ؛ لا يُنْقَصُ من إحسان مُحْسِنٍ؛ ولا يُزَادُ على إساءَةِ مُسِيْءٍ. وقال مجاهدُ: (مَعْنَاهُ: وَالْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ الْعَدْلُ) .