فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"؛ نزلَت في أبي لُبَابَةَ بن عبدِ المنذر،"فإنَّ بني قُريظةَ قالُوا لرسول الله":ابْعَثْ لَنَا خَلِيفَةً مِنْ خُلَفَائِكَ نَنْزِلْ عَلَى حُكْمِهِ، فأبَى رسولُ اللهِ"أن يَنْزِلُوا إلاَّ على حُكم سعدِ بنْ مُعَاذ، وكانوا يقولونَ: أرسِلْ إلينا أبَا لُبابة، وَكَأنَ عيالهُ وولدهُ وأهله عندَهم، فَبَعَثَهُ النبيُّ"إليهم، فقالوا: يا أبَا لُبابة أنَنزِلُ على حُكم سعدِ بن معاذ، فأشارَ بيدهِ إلى حَلْقِهِ؛ أي إنَّهُ الذبْحُ فَلاَ تَفْعَلُوا، ولَمْ يتكلَّم بلسانهِ، فأنزلَ اللهُ هذه الآية، قال أبو لُبابة: (فَمَأ زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ) . فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى:"ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ"كما فَعَلَ أبُو لُبابة.
فلما نزلت هذه الآيةُ شدَّ أبُو لُبابَةَ نفسَهُ على سَاريَةٍ من سَوَاري المسجدِ، وقالَ (لاَ أذُوقُ طَعَامًا وَلاَ شَرَابًا حَتَّى أمُوتَ، أوْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ) فمكثَ سبعةَ أيَّام لا يذوقُ فيها طعامًا ولا شَرابًا حتى خَرَّ مَغشِيًّا عليهِ، ثم تَابَ اللهُ عليه، فجاءَ رسولُ الله"فَحَلَّهُ بيدهِ، فقال أبو لُبابة: (تَمَامُ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أصَبْتُ فِيْهَا الذنْبَ، وَأنْ أتَخَلَّعَ مِنْ مَالِي) فَقَالَ":"يُجْزِيكَ الثُّلْثُ أن تَتَصَدَّقَ بهِ".
وقال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَى الآيَةِ: لا َتَخُونُوا اللهَ بتَرْكِ فَرَائِضِهِ، وَالرَّسُولَ بتَرْكِ سُنَّتِهِ) ."وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ"أي ولا تَخُونُوا أمانَاتِكم، انتصبَ على الظَّرفِ؛ أي إنَّكم إن فَعَلْتُم ذلك فإنما خُنْتُمْ أمانَاتِكم عَطفًا.