قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ"؛ معناهُ: إنَّ اللهَ طلبَ المؤمنين أن يعدُّوا أنفسَهم وأموالَهم ويخرجوا إلى الجهادِ في سبيل الله ليُثيبهم الجنةَ على ذلك.
فإن قِيْلَ: كيف يصحُّ شراءُ الجنَّة على ذلكَ وهي مملوكةٌ لله تعالى؟ وكيف يشترِي أحدٌ ملكه يملكهُ؟ قِيْلَ: إنما ذكر هذا على وجهِ التلطُّف للمؤمنين في تأكيدِ الجزاء كما قَالَ اللهُ تَعَالَى:"مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا" [البقرة:245] فذكرَ الصدقةَ بلفظِ القَرْضِ للتحريضِ على ذلك والترغيب فيه، إذِ القرضُ يوجب ردَّ المفلسِ لا محالةَ، وكأن اللهُ عَامَلَ عبادَهُ معاملةَ مَنْ هو غيرُ مالكٍ، وعن جعفر الصَّادق أنه كان يقولُ: (يَا ابْنَ آدَمَ اعْرِفْ قَدْرَ نَفْسِكَ، فَإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَرَّفَكَ قَدْرَكَ وَلَمْ يَرْضَ أنْ يَكُونَ لَكَ ثَمَنٌ غَيْرُ الْجَنَّةِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ"؛ فيه بيانُ عرضِ الذي لأجلهِ اشترَاهُم، وهو أن يُقاتِلوا العدوِّ في طاعةِ الله، ومعناهُ: فيَقْتُلُونَ المشركين، ويقتلهم المشركون، وعلى هذا أكثرُ القرَّاء، حمزةُ والكسائي (فَيُقْتُلُونَ) بالرفعِ، (وَيَقْتُلُونَ) بالنصب، واختارَ الحسنُ هذه القراءةَ لأنه إذا قُرئ هكذا كان تسليمُ النفسِ إلى الشِّراء أقربُ، وإنما يستحقُّ البائعُ تسليمَ الثمن إليه تسليمَ المبيع.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا"؛ نُصِبَ على المصدرِ؛ أي أوجبَ اللهُ لهم الجنَّةَ ووعدَهم وعدَ حقٍّ منه لَهم، وإنَّما قال (حَقًّا) للفصلِ بين الوعدِ الذي حجرهُ على وجهِ الجزاء لهم على العملِ، وبين الوعدِ ينجزهُ للتصديقِ على وجه التفضِيل لا الجزاءِ لهم على العملِ.