قَوْلُهُ تَعَالَى:"ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"؛ أي ثم خفَّفَ عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادُوا يعقلون عن أنفُسِهم، وهذا كقوله تعالى:"إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ". إلى أن قالَ:"عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ" [المزمل:20] أي خفَّفَ عنكم، وكقوله:"عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ" [البقرة:187] أي خفَّف عنكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ"؛ أي تابَ على الثلاثةِ، وهم كعبُ بن مالك، ومُرَارَةُ بن الربيع، وهلالُ بن أُميَّة الذين خُلِّفوا عن قبول توبتِهم،"حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ"؛ منعَ سِعَتَها بامتناعِ الناس من مكالمتهم،"وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ"؛ أي قلوبهم حين كتبَ قيصرُ إلى كعبِ ابن مالك: بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، فَالْحَقْ بنَا فَإنَّ لَكَ عِنْدَنَا مَنْزِلٌ وَكَرَامَةٌ، فَقَالَ كَعْبُ: (مِنْ خَطِيئَتِي أنْ يَطْمَعَ فِيَّ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْكُفْرِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ"؛ أي عَلِموا وأيقَنُوا ألاَّ مَفَرَّ من عذاب الله إلا إليه بالتوبةِ، وقولُه تعالى:"ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ"؛ أي قَبلَ توبتَهم،"لِيَتُوبُواْ"؛ أي ليرجِعُوا عن مثلِ صنيعهم. ويقالُ: ليتوبَ الناسُ من بعدِهم،"إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ"؛ أي المتجاوزُ عن ذنوب المؤمنين،"الرَّحِيمُ"؛ بعبادهِ التَّائبين.