وقوله تعالى:"إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا"؛ أي إنَّ الظنَّ في موضعٍ يمكن الوقوفُ فيه على العلمِ لا يُغني عن الحقِّ شيئًا؛ لأنه لا يكون ذلك بمنْزِلة مَن عرفَ شيئًا باليقينِ ثم تركَ ما عرفَ بالظنَّ، فإن عِلْمَهُ بالظنِّ لا يُغني عن عمل الحقِّ شيئًا، وعبادةُ الصَّنم بالظنِّ لا تُغني من عذاب الله شيئًا. قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ"؛ وعيدٌ لهم على كُفرِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ"؛ هذا جوابٌ عن دعواهم على النبيِّ"الافتراءَ على اللهِ وقولهم: إئْتِ بقرآنٍ غيرِ هذا أو بدِّلهُ، معناه: إن القرآنَ كلامُ اللهِ في أعْلاَ طبَقاتِ البلاغةِ بحُسنِ النظامِ، فليس هذا مما يقدر أحدٌ أن يفتريَهُ عل اللهِ،"وَلَكِن تَصْدِيقَ"؛ الكُتُبَ المَنَزَّلة،"الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ"، من التوراةِ والإنجيل والزَّبُورِ؛ لِمَجيئهِ شاهدًا لها بالصِّدقِ، وبكونه مُصَادقًا بما تضمَّنته تلك الكتبُ من البشارةِ."
ويجوزُ أن يكون معنى التصديقِ لما"بَيْنَ يَدَيْهِ"أي التصديقُ بما بين يدَي القرآن من البعث والنُّشور والحساب. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ"؛ معناه: وتبيينَ المعاني المختلفةِ من الحلالِ والحرام والأمرِ والنهي،"لاَ رَيْبَ فِيهِ"؛ أيْ لاَ شَكَّ فيه أنه حقٌّ،"مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ".