فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 3352

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ:"يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا"؛ أي يخالِفُون اللهَ ويَكْذِبُونَهُ وَيَكْذِبُونَ المؤمنين. ويخالفونَهم في ضمائرِهم وهم المنافقونَ. وأصلُ الْخَدَعِ في اللغة الاختفاءُ؛ ومنهُ قِيْلَ للبيتِ الذي يُخَبَّأُ فيه الْمَتَاعُ: مَخْدَعٌ؛ فالْمُخَادِعُ يُظهرُ خلافَ ما يُضمرُ. وقال بعضُهم: أصل الْخَدَاعِ في اللغة: الفسادُ. وقال الشاعرُ: أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيْذٌ طَعْمُهُ طَيِّبُ الرِّيْقِ إذَا الرِّيْقُ خَدَعْأي فَسَدَ، فيكون المعنى: مُفْسِدُونَ ما أظهَروا بألسنتهم مِما أضمَرُوا في قلوبهم. وقيلَ: معناهُ: يخادعونَ رسولَ الله"كقولهِ تعالى:"فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ" [الزخرف:55] أي آسَفوا نَبيَّنَا. وقَوْلُهُ تَعَالَى:"الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [الأحزاب:57] أي أولياءَ الله؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يؤذَى ولا يُخادَع. وقد يكون المفاعلةُ من واحد كالمسافَرَة."

فإن قِيْلَ: ما وجهُ مخادعتِهم اللهَ؛ وهو لا يَخفى عليه شيء؟ وما وجهُ مخادعةِ المؤمنين ومخادعةِ أنفسهم؟ قيل: المخادعةُ الإخفاءُ، يقال: انخدعَتِ الضَّبيةُ في جُحرها. واللهُ تعالى لا يخادَع في الحقيقةِ، ولكن أطلقَ عليه اسمُ المخادعةِ لَمَّا فعَلُوا فعلَ المخادِعين. ولو كان يصحُّ لَهم خِداعُهم لقالَ: يَخْدَعُونَ اللهَ. وَقِيْلَ: معناهُ: يخادعونَ رسولَ اللهِ.

وأما مخادعةُ المؤمنينَ، فإظهارُهم لَهم الإسلامَ تُقْيَةً؛ وَقِيْلَ: إظهارُ الإسلامِ لَهم ليكرِمُوهم ويبجِّلوهم. وَقِيْلَ: أظهَروا لَهم ذلك لِيُفْشُوا إليهم سرَّهُم فينقلوهُ إلى أعدائِهم. وأمَّا مخادعةُ أنفُسِهم فضررُ ذلك عليهم. قَالَ اللهُ تَعَالَى:"وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم"؛ لأنَّ وبالَ الخداعِ عائدٌ إلى أنفسهم فكأنَّهم في الحقيقة إنَّما يخدعونَ أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت