فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ"؛ أي يَفْنَى ولا يبقَى،"وَمَا عِندَ اللَّهِ"؛ من الثواب في الآخرةِ على الوفاء،"بَاقٍ"، هو خيرٌ لكم مما عندَكم يدومُ ويبقى. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ"؛ قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصم بالنُّون، وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناهُ: الذين صَبَروا على الوفاءِ وعلى الطاعةِ،"أَجْرَهُمْ"؛ بالطاعاتِ،"بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"؛ دون إسرَارِها، ويعفُو عن سيِّئاتِها.
قال ابنُ عبَّاس:"(وَذلِكَ أنَّ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ عِيدَانُ بْنُ الأَشْوَعِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ جَاوَرَنِي فِي أرْضِي فَاقْتَطَعَهَا، فَقَالَ":"لِيَشْهَدْ لَكَ أحْدٌ"قَالَ: إنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنِّي صَادِقٌ، وَلَكِنَّهُ أكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ"لِلأَشْعَثِ:"مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ؟"قَالَ: الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"أتَحْلِفُ؟"قَالَ: نَعَمْ، فَهَمَّ بالْحَلْفِ."
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ"، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ:"وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ..." [النحل:95] إلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فَقَرَأهُمَا رَسُولُ اللهِ"عَلَى الأَشْعَثِ فَقَالَ: أمَّا مَا عِنْدِي فَيَنْفَذُ، وَأمَّا مَا بصَاحِبي فَيُجْزَى بأَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُ، اللَّهُمَّ إنَّهُ صَادِقٌ فِي مَا قَالَ، لَقَدِ اقْتَطَعْتُ أرْضَهُ، وَاللهِ مَا أدْري كَمْ هِيَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أرْضِي وَمِثْلَهَا مَعَهَا بمَا أكَلْتُ مِنْ ثَمَرِهَا". فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ ذلِكَ فِي الأَشْعَثِ:"