فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ"؛ معناه: وأنزَلنا قُرآنًا فرَّقناهُ شيئًا بعد شيءٍ، فإنه كان ينْزِلُ منه شيءٌ، ثم يَمكثُون ما شاءَ اللهُ، ثم ينْزِلُ منه شيءٌ آخر، وكان بين أوَّهِ وآخرهِ عشرون سَنة. وقولهُ تعالى:"لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ"؛ أي على تَثَبُّتٍ وتوقُّفٍ ليَفهموهُ بالتأمُّلِ، ويعمَلُوا ما فيه بالتفكُّرِ، وهو معنى قولهِ تعالى"وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" [المزمل:4] . قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا"؛ تَأكيدًا لأَنزلنَاهُ مرَّةً بعدَ مرةٍ لعِظَمِ شأنهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ"؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة: آمِنوا بالقرآنِ أو لا تُؤمِنُوا، وهذا وعيدٌ لَهم؛ أي إنْ آمَنتُم وإنْ لَم تُؤمِنُوا، فاللهُ غنِيٌّ عنكم وعن إيمانِكم، وإيمانُكم لا ينفعُ غيرَكم، وكفرُكم لا يضرُّ سِوَاكُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ"؛ أي مِن قبلِ نُزولِ القرآن، والمرادُ بهم مُؤمِنوا أهلِ الكتاب،"إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ"؛ القرآنُ،"يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ"؛ أي يقَعُون على وجُوهِهم"سُجَّدًا"؛ لله، والمرادُ بالأذقانِ الوجوهَ، كذا قال ابنُ عبّاس.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا"؛ أي يقولُون في سُجودِهم: تَنْزيهًا للهِ عما لا يليقُ به، وقد كان وعدُ ربنا كَائنًا لا محالةَ. وهؤلاءِ الذين سجدوا كانوا يسمَعون أنَّ اللهَ يبعثُ نَبيًّا من العرب وينَزِّلُ عليه كِتَابًا، فلما سَمعوا القرآنَ سَجَدوا للهِ وحمدوه على إنجازِ الوعدِ ببعثِ الرسولِ والكتاب، وقالوا: قد كان وعدُ ربنا مَفعُولًا.