فهرس الكتاب
قال ابنُ عبَّاس: (كَانت مَآرِبُهُ أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله بالْمِحجنِ، ثم أدلَى العصا وكان في أسفلِها عكَّازةٌ يقاتلُ بها السباعَ، وكان يُلقي عليها كسائَهُ يستظلُّ تحتَها، ومن مآربهِ أيضًا أنه كان اذا أرادَ الاستسقاءَ مِن بئرٍ أدلاها، فطالَتْ على طولِ البشر، فصارت شُعبتاها كالدَّلو، وكان يظهرُ على شعبَتَيها الشَّمعتين بالليلِ - يعني: يضيءُ لهُ مد البصرِ ويهتدي بها - واذا اشتهَى ثمرة من الثمارِ رَكَزَها في الأرضِ، فَتَغَصَّنت أغصانُ تلك الشجرةِ، وأورقت أورقُها وأثْمَرت) .
ثم كان من المعلومِ أنَّ موسى لَمْ يُرِدْ بهذا الجواب إعلامَ اللهِ تعالى؛ لأن اللهَ تعالى أعلمُ بذلكَ منه، ولكن لَمَّا اقتضى السؤالُ جوابًا لَمْ يكن بدٌّ له من الإجابةِ، فذكرَ منافعَ العصا إقرارًا بالنعمة فيها والتزامًا بما يجبُ عليه من الشُّكر للهِ، وهكذا سبيلُ أولياءِ الله تعالى في إظهار شُكر نِعَمِ اللهِ تعالى، وفي هذا جوابٌ عن بعضِ الْمُلْحِدَةِ في باب المسألةِ كانت عن فائدة ما في يده، ولَم يكن عن منافعِها، فلِمَ كان الجوابُ عن ما لَم يسأل؟
وقَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى"؛ أي ألْقِهَا من يدكَ،"فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى"؛ تشتدُّ رافعةٌ رأسَها، عيناها تتوقَّدان نارًا، تَمشي بسرعةٍ على بطنِها، لَها عُرْفٌ كعُرف الفَرسِ، فلما عاينَ ذلك موسى ولَّى مُدبرًا ولَم يُعَقِّبْ هاربًا منها، فنُودِيَ يا موسى: إرْجِعْ، فرجعَ وهو شديدُ الخوفِ و"قَالَ"؛ اللهُ له:"خُذْهَا"بيمينِكَ؛"وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى"؛ عصًا كما كانت.