فهرس الكتاب
وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس: (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى"وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي"أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ، وقال عكرمةُ: (ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْنًا) ، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون: قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ: (مَعْنَاهُ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ) . قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي"؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ: (مَعْنَاهُ: لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي) .
وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى:"إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ"؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ.
فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت: هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ؟ فقالوا: مَن هي؟ قالت: امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيًّا ترضعهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"؛ أي اخْتَصَصْتُكَ لوحيي ورسالَتِي، والاصطناعُ هو الإخلاصُ بالألطافِ. وقال الزجَّاج معناه: (اخْتَرْتُكَ لإقَامَةِ حُجَّتِي، وَجَعَلْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي) .