فهرس الكتاب
ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى:"إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ"؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ،"مَا يُوحَى"؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال:"أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ"وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى:"أَنِ اقْذِفِيهِ"أي اجعليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ"؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى:"يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ"؛ وأرادَ به فرعون.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي"؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتًا جعلت فيه قُطْنًا مَحْلُوجًا، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء.
فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهًا، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي"قال عطية العوفي: (وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ) .