فهرس الكتاب
وعن وهب بن منبه قال: (أوحى اللهُ إلى موسى: انطلِقُ إلى فرعونَ برسالتِي، فمعكَ نَظَرِي وأنتَ جندٌ عظيم من جُنودِي، بعثتُكَ إلى خلقٍ ضعيف قد عزَّته الدنيا حتى كفرَ وأقسَم بعزي لولا اتخاذُ الحجَّة عليه والعذرَ إليه لبطشتُ به بطشةَ جبارٍ يغضبُ لغضبهِ السَّموات والأرض، فإن أذنَ للسَّماء صَعَقَتْهُ، وللأرضِ ابتلعتْهُ، وللجبال دمَّرتهُ، وللبحار أغرقته، ولكنهُ وسعَهُ حِلْمي، فبلِّغْهُ رسالَتي وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا لا يغرُّ بك فألبسه من لباسِ الدُّنيا، فأحِبْ ربك الذي هو واسعُ المغفرة، أنه قد أمهلَكَ منذُ خمسمائة سنة لَم تَهرمْ ولَم تسقمْ وَلم تفتَقِرْ، واعلم أنَّ أفضلَ ما تزينَ به العبادُ الزهدَ في الدنيا، ومن أهانَ ولِيًّا فقد بارَزَنِي بالْمُحاربةِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى"؛ معناه: قال موسى وهارونُ: رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا، قال ابنُ عبَّاس: (يُعَجِّلُ وَالْعُقُوبَةِ) ، وَقِيْلَ: تغليب أو أن يطغَى بتكبُّرٍ ويستعصِي علينا، ويقالُ: فرَّطَ علينا فلانٌ إذا أعجلَ بمكروهٍ، وفرَّطَ منه أمري بدر وسبق.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ"؛ أي معَكُما بالبصيرةِ والعون،"أَسْمَعُ"؛ ما يَرُدُّ عليكُما،"وَأَرَى"؛ ما يصنعهُ بكما، وَقِيْلَ: معناهُ: أسْمَعُ دعاءَكما فأجيبهُ، وأرى ما يريدُ بكما فأمنعهُ، ولستُ بغافلٍ عنكُما، فلا تَهتمَّا،"فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ"؛ أرسلنا إليكَ،"فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ"؛ أي أطلِقْهُم من اعتقالِكَ، ولا تُتْعِبْهُمْ بالأعمالِ الشَّاقة،"قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ"؛ أي بعلامةٍ من ربك وهي اليدُ والعصا، وهما أوَّلُ آية، وَقِيْلَ: اليدُ خاصَّة.