فهرس الكتاب
وكان فرعونُ قد أتعبَ بنِي إسرائيلَ بالأعمالِ الشَّاقة، مثلَ اللَّبن والطينِ والبناء، وما لا يقدرونَ عليه. فلمَّا قال موسى: قَدْ جِئْنَاكَ بآيَةٍ مِنْ رَبكَ، قال: ما هيَ؟ فأدخلَ يدَهُ في جيب قميصه ثُم أخرجَها، فإذا هي بيضاءُ لَها شعاعٌ غَلَبَ نورَ الشمسِ، ولَم يُرِهِ العصا إلاّ بعدَ ذلك يوم الزِّينة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى"؛ ليس هو بتحيَّةٍ لفرعون ولكن معناهُ: أن مَن اتَّبَعَ الْهُدى سَلِمَ من عذاب الله بدليلِ أنه عَقَّبَهُ بقولهِ تعالى:"إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى"؛ أي إنَّما يُعَذِّبُ اللهُ مَن كذبَ بما جئنا به وأعرضَ عنه، فأمَّا مَن اتَّبَعَهُ فإنه يَسْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى"؛ أي من إلَهُكما الذي أرسلَكُما،"قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ"؛ أي ربُّنا الذي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ على الْهَيْأَةِ التي ينتفعُ بها، فأعطاهُ صحَّته وسلامتَهُ وَركَّبَ فيه شهوتَهُ، ثم هَدَاهُ لمعيشتهِ. وَقِيْلَ: معناهُ: الذي صَوَّرَ كُلَّ جنسٍ من الحيوان على صورةٍ أُخرى، فلم يجعل خَلْقَ الإنسانِ كخلق البهائمِ، ولا خَلْقَ البهائمِ كخلق الإنسانِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيء فقَدَّرَهُ تقديرًا.
وقال الضحَّاك: (أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقْهُ؛ يَعْنِي لِلْيَدِ الْبَطْشَ، ولِلرِّجْلِ الْمَشْيَ، وَلِلِّسَانِ النُّطْقَ، وَلِلْعَيْنِ النَّظَرَ، وَلِلأُذُنِ السَّمْعَ) . وقال سعيدُ بن جبير: (أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ شَكْلَهُ لِلإنْسَانِ زَوْجَةً، وَلِلْبَعِيْرِ نَاقَةً، وَلِلْفَرَسِ رَمَكَةً، وَلِلْحِمَارِ أتَانًا، وَلِلثَّوْر بَقَرَةً،"ثُمَّ هَدَى"؛ أي ألْهمَ وعَرَّفَ كيف يأتِي الذكرُ الأنثى في النِّكاحِ) .