أما أكلُ الطَّعامِ فإنه كان في الرُّسُلِ قبلَهُ، فلم يكن ذلك عُذْرًا في تركِ الإيْمَانِ به، ولو أنْزَلَ مَلَكًا لكان يحتاجُ إلى أن يَنْزِلَ من السَّماءِ ويتردَّدُ في الأرضِ لتبليغِ الرسالةِ، كما قالَ تعالى"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا" [الأنعام:9] ولو جُعِلَ الْمَلَكُ شَريكًا للنبيِّ"مُعاونًا له في الإنذارِ، أدَّى ذلك إلى استِصْغَارِ كلِّ واحد منهما في أنهُ لا يكون كلُّ واحد منهما قائمًا بنفسهِ في أداءِ الرسالة."
وأما الكَنْزُ فإنه قد وَجَدَ كثيرٌ مِن الفراعنةِ ولَم يوجِبْ ذلك اتباعَهم، وعُدِمَ مع كثير من الأنبياء الذين أقرَّ الخلقُ برسالَتِهم، وكذلكَ الحياةُ؛ ولأن الأنبياءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ إنَّما يُبعثون لتزهيدِ الناس في الكنُوز والحياة، وترغيبهم في الآخرةِ، فكيف يجوزُ أن يَمنَعُوا الناسَ عنه ويشتَغِلوا به هُم؟
قَوْلُهُ تَعَالَى:"تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا"؛ قال ابنُ عبَّاس:"وَذلِكَ أنَّ مَلَكًا أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ لِلنَّبيِّ":إنَّ اللهِ يُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ يُعْطِيْكَ خَزَائِنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَفَاتِيْحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطَهَا أحَدٌ قَبْلَكَ، وَلَمْ يُعْطَهَا أحَدٌ بَعْدَكَ مِنْ غَيْرِ أنْ يُنْقِصَكَ شَيْئًا مِمَّا ادَّخَرَ لَكَ فِي الآخِرةِ، وَبَيْنَ أنْ يَجْمَعَهَا لَكَ فِي الآخِرَةِ، فَقَالَ":"بَلْ يَجْمَعُهَا لِي فِي الآخِرَةِ)"."
وَقَالَ":"خَيَّرَنِي جِبْرِيْلُ بَيْنَ أنْ أكُونَ نَبيًّا مَلِكًا وَبَيْنَ أنْ أكُونَ نَبيًّا عَبْدًا، فَاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ نَبيًّا عَبْدًا؛ أشْبَعُ يَوْمًا وَأجُوعُ يَوْمًا، أحْمَدُ اللهَ إذا شَبعْتُ، وَأتَضَرَّعُ إلَيْهِ إذا جِعْتُ"."