قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا"؛ معناهُ: والذين إذا وُعِظُوا بآياتِ ربهم؛ أي بالقُرْآنِ؛ لَم يعامِلُوا فيها معاملةَ الأصَمِّ الذي لا يسمعُ، والأعمَى الذي لا يُبْصِرُ، ولكنَّهم سَمعوا وبَصروا وانتفعوا بها وخَرُّوا ساجدينَ سامعين باكينَ مبصرين فيما أُمِرُوا به ونُهُوا عنهُ. والْخَرُّ هو السُّقوطُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ"؛ الذُّرِّيَّةُ تكونُ واحدًا وجَمعًا، فكونُها الواحد: قَوْلُهُ تَعَالَى:"رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً" [آل عمران:38] ، وكونُها للجمعِ قَوْلُهُ تَعَالَى:"ذُرِّيَّةً ضِعَافًا" [النساء:9] . وقوله تعالى"قُرَّةَ أَعْيُنٍ":"رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا"أرادَ أتقياءَ. وقال مقاتلُ: (مَعْنَاهُ: اجْعَلْهُمْ صَالِحِيْنَ فَنُقَرُّ أعْيُنًا بذلِكَ) . وقال الحسنُ: (مَا مِنْ شَيْءٍ أقَرَّ لِعَيْنِ الْمُسْلِمِ مِنْ أنْ يَرَى وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ مُطِيْعِيْنَ للهِ) .
وقَوْلُهُ تَعَالَى:"وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"؛ أي يُقتدَى بنا في الخيرِ، والمعنى: اجعلنَا صالِحين نأتَمُّ بمن قَبْلَنَا من المسلمينِ حتى يأتَمَّ بنا مَن بعدَنا. قال الفرَّاءُ: (إنَّمَا قَالَ(إمَامًا) وَلَمْ يَقُلْ: أئِمَّةً كَمَا قَالَ: (إنَّا رَسُولُ رَب الْعَالِمِيْنَ) لِلاثَنَيْنِ، يَعْنِي: إنَّهُ مِنَ الْوَاحِدِ الَّذِي يُرِيْدُ بهِ الْجَمِيْعَ). وفي الحديثِ:"مَنْ رُزقَ إيْمَانًا وَحُسْنَ خُلُقٍ فَذاكَ إمَامُ الْمُتَّقِيْنَ"