ويروَى أنَّ موسَى لَمَّا انطلقَ إلى مصر لتبليغِ الرِّسالةِ، وكان هارونُ يومئذٍ بمصْرَ، التقَى كلُّ واحدٍ منهُما بصاحبهِ، فانطلَقَا كلاهُما إلى فرعونَ، أدَّيَا جميعًا الرسالةَ، وعَرَفَ فرعونُ موسَى، قال لهُ فرعونُ:"أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا"أي صَغِيْرًا، ومكثتَ عندنا سِنينًا من عُمُرِكَ،"وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ"أي قتلتَ القبطيَّ"وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ"أي الجاحدينَ لنِعمَتي وتربيتي.
"قَالَ"موسَى:"فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ"؛ أي فعلتُ تلك الفعلةَ وأنا من الْجَاهِلينَ، لَم يأتِنِي من اللهِ شيءٌ، ولا يجوزُ أن يكون المرادُ بهذا الإضلال عنِ الْهُدَى؛ لأن ذلك لا يجوزُ أن يكون على الأنبياءِ. وَقِيْلَ: معناهُ: وأنَا من الْمُخْطِئِيْنَ، نظيرهُ"إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ" [يوسف:95] . وَقِيْلَ: مِن النَّاسِينَ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى" [البقرة:282] .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ"؛ أي هَرَبًا منكم إلى مِدْيَنَ لَمَّا خِفْتُكُمْ على نفسِي أن تقتلُونِي بالذي قتلهُ،"فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا"؛ أي نُبُوَّةً، وَقِيْلَ: فَهْمًا وعِلْمًا،"وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ"؛ وإنِّي لأُبَلِّغُكم التوحيدَ والشَّرائعَ.