فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ"؛ واسْمُها بلقيسُ بنتُ الشَّرْحِ، وَقِيْلَ: شِراحيلُ بن ذي جَدَن، وكان مَلِكًا عظيمَ الشَّأنِ، وكان قد مَلَكَ أرضَ اليمنِ كلِّها، وكان يقولُ لِمُلوكِ الآفاقِ: ليس أحدٌ منكم كُفْؤٌ لِي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوَّجُوهُ امرأةً من الجنِّ يقالُ لَها: ريحانة بنتُ السكن، فولدت بَلْقِيْسَ، ولَم يكن لهُ ولدٌ غيرَها.
وعن النبيِّ"أنهُ قالَ:"كَانَ أحَدُهُمْ يُؤْتَى بَلْقِيْسَ جِنِّيًّا"فَلَمَّا مَاتَ أبُوهَا وَلَمْ يُخَلِّفْ أحَدًا غَيْرَهَا طَمِعَتْ فِي الْمُلْكِ، فَطَلَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا أنْ يُبَايعُوهَا، فَأَطَاعَهَا قَوْمٌ وَعَصَاهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَاخْتَارُواْ عَلَيْهَا رَجُلًا فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَافْتَرَقُواْ فِرْقَتَيْنِ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اسْتَوْلَتْ بمُلْكِهَا عَلَى طَرَفٍ مِنْ أرْضِ الْيَمَنِ."
ثُمَّ إنَّ هَذا الْمَلِكَ الَّذِي مَلَّكُوهُ أسَاءَ السِّيْرَةَ فِي أهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَتَّى كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إلَى حُرَمِ رَعِيَّتِهِ وَيَفْجُرُ بهِنَّ، فَأَرَادَ أصْحَابُهُ أنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُواْ، فَلَمَّا رَأتْ بَلْقِيْسُ ذلِكَ أدْرَكَتْهَا الْغَيْرَةُ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَأَجَابَهَا إلَى ذلِكَ، وَقَالَ: مَا مَنَعَنِي أنْ أبْدَأكِ بالْخِطْبَةِ إلاَّ الْيَأْسُ مِنْكِ، فَقَالَتْ: إنِّي رَاغِبَةٌ إلَيْكَ لأَنَّكَ كُفْؤٌ كَرِيْمٌ، فَاجْمَعْ رجَالَ قَوْمي فَاخْطِبْنِي إلَيْهِمْ، فَجَمَعَهُمْ فَخَطَبَهَا إلَيْهِمْ فَقَالُواْ: لاَ نَرَاهَا تَفْعَلُ هَذا، قَالَ: إنَّهَا هِيَ الَّتِي ابْتَدَأتْنِي، فَذكَرُواْ لَهَا ذلِكَ، فَقَالَتْ: نَعَمْ؛ لأَجْلِ الْوَلَدِ، وَلَمْ أزَلْ كُنْتُ كَارهَةً لِذلِكَ، فَالآنَ قَدْ رَضِيْتُ، فَزَوَّجُوهَا مِنْهُ.