ثُم أوحَى اللهُ إليها: أنْ أرْضِعِيْهِ،"فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ"؛ قال: فكتمَتْهُ ثلاثةَ أشهُرٍ ترضعهُ في حِجرِها لا يبكِي ولا يتحرك، فلما خافَتْ عليه عمِلَتْ له تَابُوتًا مطبقًا ومهدت له فيه، ثم ألقتْهُ في البحرِ ليلًا كما أمرَها اللهُ، فلما أصبحَ فرعونُ جلسَ في مجلسهِ على شاطئِ النِّيلِ، فبَصُرَ بالتابوتِ، فقالَ لِمن حولَهُ: ائْتُونِي بهذا التابوتِ، فأتُوا به، فلما وُضِعَ بين يديه فتحوهُ، فوجدوا فيه موسَى، فلما نَظَرَ إليه فرعونُ إغتاظَ وقالَ: كيف أخطأَ هذا الغلامَ الذبحُ؟!
وكان لفرعونَ امرأةٌ يقال لَها آسيَةُ مِن خِيَار النِّساءِ من بنات الأنبياءِ، وكانت أُمًّا للمسلمينَ ترحَمُهم وتتصدَّقُ عليهم، فقالت لفرعونَ وهي قاعدةٌ إلى جَنبهِ: هذا الولدُ أكبرُ من ولد سنةٍ وأنتَ إنَّما أمَرتَ أن تذبحَ الولْدَانَ بهذه السَّنةِ، فدَعْهُ يكون قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ، لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا أوْ نَتَّخِذهُ وَلَدًا، فقال فرعونُ لَها: عسَى أن ينفعَكِ، فأما أنَا فلا أريدُ نفعَهُ.
قال وهبُ: (لو قالَ فرعون كما قالَتِ امرأتهُ: عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا؛ لنفعَهُ اللهُ به، ولكنه أبَى أن يقولَ للشَّقاءِ الذي كتبَهُ الله عليهِ، فتركَهُ فرعونُ ولَمْ يَقتُلْهُ)