فهرس الكتاب
وقَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"معناه: ولا تلقُوا أنفسَكم، فعبَّر بالبعضِ عن الكلِّ كقولهِ تعالى:"ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ" [آل عمران:182] و"فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" [الشورى:30] . وإنَّما حذفَ ذكر النفسِ هنا لأن في الباءَ دليلًا عليه؛ والباءُ زائدة كقولهِ تعالى:"تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ" [المؤمنون:20] . والعربُ لا تقولُ: ألقَى بيدهِ إلاَّ في الشرِّ، والإلقاءُ في التهلكة معناه: ولا تُمسكوا بأيديكم عن الصدقةِ في الجهاد فتهلَكوا. وقيلَ هو الإسرافُ في الإنفاقِ حتى لا يبقَي له شيئًا يأكلهُ فيتلفُ. وَقِيْلَ: هو أن يخرج بين الصفَّين فيُسْتَقْتَلُ من غيرِ قصدٍ بنكايةِ العدوِّ.
وقيلَ: معنى"وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"أي لا يَقُلْ: ليس عندي شيءٌ. وقال الحسنُ: (إنَّهُمْ كَانُواْ يَنْفِرُونَ لِلْغَزْو وَلاَ يُنْفِقُونَ مِنْ أمْوَالِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . وقال مقاتلٌ: (لَمَّا أمَرَ اللهُ تَعَالَى بالإنْفَاقِ؛ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بالنَّفَقَةِ فِي سَبْيلِ اللهِ؛ فَإنْ أنْفَقْنَا أمْوَالَنَا بَقِيْنَا فُقَرَاءَ ذَوي مَسْكَنَةٍ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى:"وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"يَعْنِي أنْفِقُواْ وَلاَ تَخْشُوا الْفَقْرَ فَإنِّي رَازقُكُمْ وَمُخْلِفٌ عَلَيْكُمْ) .