فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ"؛ أي ما كان جوابُ قومِ إبراهيمَ حيث دعَاهُم إلى اللهِ، إلاَّ أن قالوا: اقتلُوهُ أو حرِّقوهُ بالنار، ثُم"اتفقوا على تحريقه"فقذفوهُ في النار،"فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ"؛ سَالِمًا، وجعلَها بَرْدًا وسَلامًا ولَم تحرِقْ منه إلاَّ وثاقه،"إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"بالله ورسُلهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا"؛ أي قال إبراهيمُ: إنَّ ما عبَدتُم مِن دون اللهِ أوثَانًا هي مودَّةٌ بينَكم، أو تلك مودَّةٌ بينكم، والمعنى: أي أُلْفَتُكُمْ واجتماعُكم على الأصنامِ"مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ"؛ ثُم تنقطعُ عن قريبٍ، وتنقلبُ تلك المودَّةُ عداوةً بعد الموتِ، يَتَبَرَّأُ بعضُكم من بعضٍ، ويلعنُ العابدُ المعبودَ، لذلك يلعَنُ العابدونَ بعضَهم بعضًا، ويكون مصيرُهم في الآخرةِ النار، وما لكم مِن مانعٍ يَمنعُكم من عذاب الله.
ويجوزُ أن تكون (مَا) في قوله تعالى"إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ"بمعنى (الذِي) كأنه قالَ: إنَّ الذي اتَّخذتُموه من دونِ الله أوثَانًا مودَّةُ بينِكم ما دُمتم في الحياةِ الدُّنيا، فيكون (مَوَدَّةٌ) رفعًا لأنَّها خبرُ (إنَّ) ، وقرأ حمزةُ وحفص (مَوَدَّةَ) بالنصب (بَيْنِكُمْ) بالخفضِ على الإضافة؛ بوقوعِ الاتِّحادِ عليه، وجعل (إنَّمَا) حَرفًا واحدًا، وقرأ الباقون نَصبًا منَوَّنًا (بَيْنَكُمْ) بالنصب على أنه مفعولٌ أيضًا، ومعناه: اتَّخذتُم هذه الأوثانَ مَوَدَّةً بينَكم تتوادُّون وتحابُّون على عبادتِها وتتواصَلون عليها.