فهرس الكتاب
ثُمَّ إنَّهُمْ تَرَامَواْ بالنَّبْلِ، فَوَقَعَتْ رَمْيَةٌ فِي أكْحَلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَطَعَتْهُ، رَمَاهُ ابْنُ الْغُرْفَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا زَالَ أكْحَلُهُ يَسِيْلُ دَمًا حَتَّى خِيْفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أبْقَيْتَ مِنْ حَرْب قُرَيْشٍ فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإنَّهُ لاَ شَيْءَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ جِهَادِ قَوْمٍ آذواْ رَسُولَ اللهِ"وَكَذبُوهُ وَأخْرَجُوهُ، وَإنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لَنَا شَهَادَةً وَلاَ تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ."
ثُمَّ أتَى نَعِيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْغَطَفَانِيُّ إلَى رَسُولِ اللهِ"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ أسْلَمْتُ وَإنَّ قَوْمِي مِنْ غَطَفَانَ لَمْ يَعْلَمُواْ بإسْلاَمِي، فَمُرْنِي فِيْهِمْ بمَا شِئْتَ، فَقَالَ عليه السلام:"إنَّمَا أنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذِّلْ عَنَّا إنِ اسْتَطَعْتَ". فَخَرَجَ نَعِيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ لَقَدْ عَلِمْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ المَحَبَّةِ. قَالُواْ: صَدَقْتَ؛ لَسْتَ عِنْدَنَا بمُتَّهَمٍ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ"أي في تلكَ الحالِ اخْتُبرَ المؤمنونَ بالقتالِ ليتَبيَّن المخلصُ من المنافقِ. وَقِيْلَ: معناهُ: امْتُحِنَ المؤمنونَ بالخوفِ الشَّديد الذي عندَهُ يظهرُ المؤمن القويُّ من المؤمنِ الضعيفِ، وذوُوا العزمِ الصحيح من غيرِهم. وقوله:"وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا"؛ أُزْعِجُواْ وحُرِّكُوا تَحريكًا شديدًا، وذلك أن الخائفَ يكون قَلِقًا مُضطربًا لا يستقرُّ على مكانهِ.