فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 3352

فإن قِيْلَ: لِمَ أمرَ اللهُ تعالى بقتالِ الكفار المعلنين الكفرَ ولم يأمُرْ بقتالِ المنافقين وهم في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار؛ وخالفَ بين أحكامهم وأحكامِ الكفار الْمُظْهِرِيْنَ الكفرَ وأجراهم مُجْرَى المسلمين في التوارث والأنْكِحَةِ وغيرها؟ قيل: عقوباتُ الدنيا ليست على قدر الإجرام؛ وإنَّما هي على ما يعلمُ الله من المصالح؛ ولِهذا أوجبَ رجمَ الزانِي الْمُحَصَنِ ولَم يُزِل عنهُ الرجمَ بالتوبةِ؛ والكفرُ أعظم من الزنا ولو تابَ منه قُبلت توبتهُ. وكذلك أوجبَ الله على القاذفِ بالزنا الجلدَ ولَم يوجبه على القاذفِ بالكفرِ؛ وأوجبَ على شارب الخمر الحدَّ ولَم يوجبه على شارب الدمِ.

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ:"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى"أي أخَذُوا الضَّلالةَ وتَرَكُوا الْهُدَى؛ واختارُوا الكفرَ على الإيْمانِ. وإنَّما أخرجهُ بلفظ الشراءِ والتجارة توسُّعًا؛ لأن الشراءَ والتجارة راجعان إلى الاستبدالِ والاختيار؛ لأنَّ كل واحدٍ من المتبايعَين يختارُ ما بيد صاحبهِ على ما في يدهِ. قوله عَزَّ وَجَلَّ:"فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ"؛ أي فمَا ربحُوا في تجارتِهم؛ تقولُ العرب: رَبحَ بيعُك وخَسِرَتْ صفقتُك؛ ونامَ ليلُك؛ تَوَسُّعًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى:"فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ" [محمد:21] . وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ: (فَمَا رَبحَتْ تِجَارَاتُهُمْ) على الجمعِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ"؛ أي من الضَّلالةِ؛ وَقِيْلَ: معناهُ وما كانُوا مُصِيبينَ في تِجارتِهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت