فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"؛ القَذْفُ: هو الرَّمْيُ بألْسِنَتِهم والحصَى والكلامِ، قال الكلبيُّ: (فَمَعْنَى الآيَةِ: قُلْ إنَّهُ يَأْتِي بالْحَقِّ؛ أيْ يَتَكَلَّمُ بالْوَحْيِ وَهُوَ الْقُرْآنُ يُلْقِيْهِ إلَى نَبيِّهِ عليه السلام) . والمعنَى: قُل إنَّ رَبي يُنْزِلُ الوحيَ مِن السَّماء فَيَقْذِفُهُ ويُلقيهِ إلى الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى:"عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"ظاهرُ المعنَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ جَآءَ الْحَقُّ"؛ يعني الإيْمَانَ والقُرْآنَ؛ أي ظَهَرَ الإسلامُ والقُرْآنُ،"وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ"؛ معناهُ: ذهبَ الباطلُ وزَهِقَ، فلم يَبْقَ له بَقِيَّةٌ يُبدِئُ بها ولا يعيدُ. قال الحسنُ: (الْبَاطِلُ: كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ، فَإنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ لاَ يُبْدِئُ لأَهْلِهِ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَلاَ يُعِيْدُ بخَيْرِهِ فِي الآخِرَةِ) . فقال قتادةُ: (الْبَاطِلُ إبْلِيْسُ؛ أيْ مَا يَخْلُقُ إبْلِيْسُ أَحَدًا وَلاَ يَبْعَثُهُ) .
ويجوزُ أن يكون هذا اسْتِفْهَامًا، كأنَّهُ قالَ: وأيُّ شيءٍ يُبدِئُ الباطلُ؟ وأيُّ شيء يعيدهُ؟ وعنِ ابنِ مسعودٍِ قال:"دَخَلَ رَسُولُ اللهِ"مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسُتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بعُودٍ مَعَهُ وَيَقُولُ:"جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيْدُ"أيْ ذهبَ الباطلُ بحيثُ لا يبقَى له بقيَّة، لا إقبالٌ ولا إدبارٌ ولا إبداءٌ ولا إعادة كما قَالَ تَعَالَى"بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ" [الأنبياء:18] . ويقالُ: فلانٌ ظهرَتْ عليه الحجَّة، فما يُبدِئُ وما يعيدُ، ومَا يحل وما يَمرُّ.