فهرس الكتاب
قال الفرَّاءُ: (مَعْنَى أغْشَيْنَا: ألْبَسْنَا أبْصَارَهُمْ غِشْوَةً أيْ عَمًى) ، وعن ابنِ خُثَيم قالَ: (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقْرَأُ(فَأَعْشَيْنَاهُمْ) بالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ)، ورُوي ذلك عن ابنِ عبَّاس أيضًا، وقال الحسنُ: (هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمَثَلِ) وَذلِكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ أرَادُواْ مِنَ النَّبيِّ"كَانُوا كَمَنْ غُلَّتْ يَدُهُ إلَى عُنُقِهِ لاَ يُمْكِنُهُ أنْ يَبْسُطَهَا إلَى شَيْءٍ، وَهُوَ طَافِحٌ رَأسُهُ لاَ يُبْصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، قَدْ سُدَّ عَلَيْهِ طَرِيقُهُ فِي الذهَاب وَالرُّجُوعِ."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ"؛ أي مَن أضَلَّهُ اللهُ هذا الضلالَ لم ينفعْهُ الإنذارُ،"إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ"؛ معناهُ: إنما ينفع الإنذارُ مَن اتَّبعَ القرآنَ،"وَخشِيَ الرَّحْمانَ بِالْغَيْبِ"؛ أي وخافَ من اللهِ بحيث لا يراهُ،"فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ"؛ لذنوبهِ،"وَأَجْرٍ كَرِيمٍ"؛ وثوابٍ حسَنٍ في الجنَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ"؛ أي ما أسلَفُوا من الخيرِ والشرِّ، وقولهُ تعالى:"وَآثَارَهُمْ"؛ أي خُطَاهُم، فإنَّ كلَّ خُطوَةٍ في الطاعةِ طاعةٌ، وكلَّ خطوةٍ في المعصيةِ معصيةٌ. وَقِيْلَ: معنى"وَآثَارَهُمْ"أي ما استَنَّ به مَن بعدَهم، قال النبيُّ":"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وزْرُهَا وَوزْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"."