فدعاهُما الملِكُ، فقالَ لهما شمعونُ: مَن أرسلَكُما؟ قالاَ: اللهُ الذي خلقَ كلَّ شيءٍ وليس له شريكٌ. فقالَ لهما شمعون: صِفَاهُ وأوجِزَا، فقالاَ: إنه يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريد. قال شمعونُ: وما آيَتُكما؟ قَالاَ: ما تَتمَنَّاهُ.
فأمرَ الملِكُ حتى جَاؤُا بغُلامٍ مطمُوسِ العَينَينِ، موضعُ العينين كلٌّ لجِهَةٍ، فمَا زالاَ يدعُوَان اللهَ حتى انشقَّ موضعُ البصرِ، ثم أخذا بَندُوقَتَيْنِ فوُضِعَتا في الحدَقَتَين، فصارَتا مُقْلَتَيْنِ يبصرُ بهما، فعَجِبَ الملِكُ من ذلك.
فقال شمعونُ للملِك: إنْ سألتَ إلَهكَ أن يصنعَ مثل هذا، فصَنَعَهُ كان لكَ ولآلهتكَ الشرفُ. فقال الملِكُ: ليس لِي عَنْكَ سِرُّ أُسِرُّه إليك: إنَّ إلَهنا الذي نعبده لا يسمعُ ولا يبصر ولا ينفعُ.
ثم قالَ للمرسُولِين: إنَّ هنا مَيِّتًا ماتَ منذُ سبعةِ أيَّام، فلم أدفِنْهُ وأخَّرتُه حتى يرجعَ أبوهُ، وكان أبوهُ غائبًا، فإن قَدِرَ إلَهُكما على إحيائهِ آمنتُ بهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ"؛ وذلكَ أنَّهم لَمَّا قتلوهُ وغَضِبَ اللهُ عليهم وعجَّلَ لهم العذابَ، ومعنَى الآية: وما أنزَلنا على قومِ حبيب بإهلاكِهم من جُندٍ من السَّماء يعني الملائكةَ؛ أي لَم تنتَصِرْ منهم بجُندٍ من السَّماء،"وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ"ولا كُنَّا نُنَزِّلُ ذلك بمَن قبلَهم من الأُمَم إذا أهلكنَاهم.
ثم بيَّن اللهُ تعالى كيف كانت عقوبتُهم وعذابُهم فقالَ تعالى:"إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ"؛ أي ميِّتون لا يتحرَّكُ منهم أحدٌ. قال المفسِّرون: أخذ جبريلُ بعضادتي باب المدينةِ وصاحَ بهم صيحةً واحدةً، فتطايرَت قلوبُهم فإذا هم ميِّتون، ولم يُسمَعْ لهم حِسٌّ، كالنار إذا طُفِئَتْ.