قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ"؛ أي ما القرآنُ إلاَّ ذكرٌ وموعظة، فيه الفرائضُ والحدود والأحكامُ،"لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا"؛ قرأ نافعُ وابن عامر بالتاءِ، والخطابُ للنبيِّ"، وقرأ الباقون بالياءِ، يعني ليُنذِرَ القرآنُ مَن كان حيًّا، يعني مُؤمِنًا حيَّ القلب، لأن الكافرَ كالميِّتِ في أنه لا يتدبَّرُ ولا يتفكَّرُ،"وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ"؛ أي وتجبُ الحجَّةُ بالقرآنِ على الكافرين."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ"؛ معناهُ: أوَلَم يُشاهِدوا أنَّا خلَقْنا لَهم مما توَلَّينا خلقَهُ بإيداعِنا وإنشائنا؟ لم يُشاركنا في خلقِ ذلك شريكٌ ولا مُعِينٌ. وذكرُ الأيدِي هَهُنا يدلُ على انفرادهِ بما خلقَ، والمعنى أوَلَمْ يرَوا أنَّا خلَقْنا لَهم مما عمِلناهُ بقدرَتِنا؟ لا مما عملتْهُ أيدي مالكِيها أنعامًا وهو الإبلُ والبقر والغنم لها مالِكون وضابطون، قاهرون لها يصرِّفونَها كيف يشاوُؤن، واليدُ تُذكَرُ ويرادُ بها القدرةُ وإظهار صُنعهِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى:"وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ"؛ أي لَم يخلُقِ الأنعامَ نافرةً من بني آدمَ ولا يقدِرون على ضَبطِها، بل هي مسخَّرةٌ لهم، والمعنى: وسخَّرنَاها لهم مع قوَّتِها وضعفِهم،"فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ"؛ أي مَركُوبُهم،"وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ"؛ من لحومِها، فقولهُ"فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ"يعني الإبلَ، قال عروةُ: (فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا(رُكُوبَتُهُمْ ) ) والركُوبُ والركُوبةُ واحدٌ، مثل الحمُولِ والحمولَةِ، يقالُ: هذه الجِمَالُ ركوبةُ القومِ وركوبتهم، وهذه النُّوقُ حلوبةُ القومِ وحلوبُهم.