فهرس الكتاب
وذلك أنَّ أبا جهلٍ لَعَنَهُ اللهُ قالَ يومَ بدرٍ: نحنُ جميعٌ منتصر، فقيلَ لهم ذلكَ اليومِ: ما لَكم غير متناصِرين، وأنتم زعَمتُم في الدُّنيا أنكم تَنَاصَرون، فاللهُ تعالى قال:"بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ"؛ أي مُنقَادُون خاضِعون لِمَا يرادُ بهم، والمعنى: هم اليومَ أذِلاَّءُ منقادون، لا حيلةَ لهم، فالعابدُ منهم والمعبودُ لا يحمِلُ عن أحدِهم أحدًا ولا يمنعُ أحدٌ عن أحدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ"؛ أي أقبلَ الشياطين والمشركون يسألُ بعضُهم بعضًا سؤالَ توبيخٍ،"قَالُواْ"، فيقولُ المشركون للشياطين:"إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ"؛ فتُزَيِّنوا لنا الضَّلالةَ، وتَردُّوننا عن الخيرِ،"قَالُوا"، فيقولُ لهم الشياطين:"بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"؛ إنما كان الكفرُ مِن قِبَلِكم،"وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ"؛ أي من قوَّةٍ فنُجبرَكم على الكفرِ،"بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ"؛ أي مُتجاوزين ضَالِّين.
وقال الحسنُ فِي مَعْنَى الآيَةِ: (وَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ أيْ أقْبَلَ التَّابعُونَ عَلَى الْمَتْبُوعِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُونَ: لَوْلاَ أنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُ لَهُمُ الرُّؤَسَاءُ: مَا أجْبَرْنَاكُمْ عَلَى الْكُفْرِ بَلْ كَفَرْتُمْ بسُوءِ اخْتِيَاركُمْ، فَيَقُولُ لَهُمُ التَّابعُونَ: إنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ؛ أيْ مِنْ أقْوَى الْجِهَاتِ، وَذلِكَ أنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ أقْوَى مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، كَمَا أنَّ الْيَمِينَ أقْوَى مِنَ الشِّمَالِ) وتقديرهُ: خدَعتُمونا بأقوَى الوجُوهِ، واليمينُ هي القوَّة، قَالَ اللهُ تَعَالَى:"فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" [الصافات:93] أي بالقوَّة.