فهرس الكتاب
فـ"قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ"؛ أي أرَدتَ أنْ تُهلِكَني كهلاكِ الْمُتَرَدِّ من الشَّاهقِ، وقال مقاتلُ: (مَعْنَاهُ: لَقَدْ كِدْتَ أنْ تُغْوِيَنِي فَأَنْزِلَ مَنْزِلَكَ) ، والإرْدَاءُ الإهْلاَكُ، ومَن أغوَى إنسانًا فقد أهلكَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي"؛ أي لولاَ إنعامهُ علَيَّ بالإسلامِ،"لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ"؛ معكَ في النار.
وقال الكلبيُّ: (ثُمَّ يُؤْتَى بالْمَوْتِ فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّار، وَيُنَادِي مُنَادٍ بأَهْلِ الْجَنَّةِ: خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَبأَهْلِ النَّار: خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ) فيقولُ هذا القائلُ لأصحابهِ على جهة السُّرور:"أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ"؛ في هذه الجنَّة أبدًا،"إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى"؛ التي كانت في الدُّنيا،"وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ"؛ أبدًا. فيقالُ لَهم: لاَ، فيقولون:"إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"؛ فُزْنَا بالجنَّة ونَعِيمها، ونَجَونا من النار وجحيمِها. فهذه قصةُ الأخَوَين ذكرَهما اللهُ في سورةِ الكهف بقوله تعالى"وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ" [الكهف:32] .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ"؛ أي لمثلِ هذا النَّعيمِ الْمُقيمِ، والْمُلكِ العظيمِ فليعملِ العاملون في الدُّنيا، يعني بالنعيمِ ما ذكرَهُ اللهُ من قوله"أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ..." [الصافات:41 - 43] إلى قولهِ"بَيْضٌ مَّكْنُونٌ" [الصافات:49] .