فهرس الكتاب
ويجوزُ أن يكون معنى الفتنةِ في هذه الْمِحْنَةَ والبليَّةَ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى: هذه الشجرةُ افتتنَ بها الظَّلَمةُ. قالوا: كيف يكون في النار شجرةٌ وهي تأكلُها؛ لأن النارَ تأكلُ الشجرَ، فأنزل اللهُ تعالى"إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ"أي خِبرةً لهم افتَتَنوا بها وكذبوا بكونِها.
وبيَّنَ اللهُ تعالى:"إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ"؛ أي تنبتُ في قعرِ الجحيم، قال الحسنُ: (أصْلُهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، وَأصْلُهَا فِي دَرَكَاتِهَا، بالنَّار غُذِّيَتْ وَمِنْهَا خُلِقَتْ بلَهَب النَّار، كَمَا يَنْمُو شَجَرٌ بالْمَاءِ، كُلَّمَا ازْدَادَتِ النَّارُ الْتِهَابًا ازْدَادَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ نُمُوًّا وَارْتِفَاعًا، وَإنَّ أهْلَ النَّار لَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَلْبَسُونَ النَّارَ، وَيَتَقَلَّبُونَ فِي النَّار، وَإنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّار عَذابًا رَجُلٌ يَكُونُ لَهُ نَعْلاَنِ يَغْلِي مِنْ حَرِّهِمَا دِمَاغُهُ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ"؛ أي ثَمَرُها كريهٌ مرٌّ هائلُ المنظرِ كأنه حيَّاتٌ هائلاتُ الرُّؤوسِ تكون في طريقِ اليمَنِ، تسمِّي العربُ تلك الحيَّات رؤوسَ الشَّياطين لقُبحِها. وقال بعضُهم: أُريدَ به الشياطينَ المعروفةَ، وقد اعتقدَ الناسُ قُبحَهم وقبحَ رُؤوسِهم، وإن لم يُشاهِدُوهم، ولذلك يشبهون الشيءَ القبيحَ بالشياطينِ، يقولُ الرجل: رأيتُ فلانًا كأنَّهُ شياطينُ، ورؤوسهُ رأسُ الشيطانِ، فالشياطينُ موصوفةٌ بالقُبحِ وإنْ كانت لا تُرَى.