قَوْلُهُ تَعَالَى:"مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ"؛ أي ما لِتِلْكَ الصَّيحةِ مِن رجعةٍ إلى الدُّنيا، والفَُوَاقُ بضَمِّ الفاءِ وفتحِها بمعنىً واحدٍ وهو رجوعٌ، ومن ذلكَ قولُهم: أفَاقَ فلانٌ من الْجُنُونِ ومِن المرضِ؛ إذا رَجَعَ إلى الصِّحة. والفُوَاقُ بضَمِّ الفاءِ ما بين حَلْبَتَي النَّاقَةِ؛ لأن اللَّبن رجوعهُ إلى الضَّرعِ بينَ الحلبَتين. والمعنى: ما ينظرُ هؤلاء إلاّ صيحةً واحدة ما لَها من رُجوعٍ. وَقِيْلَ: يرَدَّدُ لكَ الصوتُ فيكون له رجوعٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ"؛ أي قالَهُ المشركون عَجِّلْ لنا صَحِيفَتَنا قبلَ الحساب حتى نَعلمَ ما فيها، قال الكلبيُّ: (لَمَّا نَزَلَ فِي الْحَاقَّةِ:"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ" [الحاقة:19] و"وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ" [الحاقة:25] قالُوا على جهةِ الاستِهْزاء: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا فِي الدُّنْيَا، فقيل: يومُ الحساب أعجِلْ لنا كتابَنا، قالُوا ذلك تَكذِيبًا واستهزاءً) .
والقِطُّ: الصَّحِيفَةُ التي أحْصَتْ كلَّ شيءٍ. وَقِيْلَ: القِطُّ: النَّصيبُ، وسُميت كتبُ الجوائزِ قُطُوطًا لأنَّهم كانوا يكتُبون الأنصِبَاءَ من العطَايَا في الصَّحائفِ، يقالُ: أخَذ فلانٌ قِطَّهُ؛ إذا أخذ كتابَهُ الذي كُتِبَ له بجائزتهِ وصِلَتهِ.
وقال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَى قَوْلُهُ"قِطَّنَا"أيْ حَظَّنَا مِنَ الْعَذاب وَالْعُقُوبَةِ) . قال قتادةُ: (نَصِيبَنَا مِنَ الْعَذاب) . قال مجاهدُ: (عُقُوبَتَنَا) . وقال عطاءُ: (هُوَ يَقُولُهُ النَّضِرُ بْنُ الْحَارثِ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أو اءْتِنَا بعَذابٍ ألِيمٍ) .