قَوْلُهُ تَعَالَى:"كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ"، أي كذبَتْ قبلَ قومِكَ قومُ نوحٍ،"وَعَادٌ"، هودًا، وَكذب،"وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ"، وموسى عليه السلام،"وَثَمُودُ"؛ صالحًا،"وَقَوْمُ لُوطٍ"، لوطًا،"وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ"؛ شعَيبًا، كَذبَ هؤلاءِ أنبياءَهم فحلَّ بهم عذابُ الاستئصالِ، وكذلكَ"أُوْلَئِكَ"؛ أي أُؤْلَئِكَ،"الأَحْزَابُ"، والأحزابُ الجماعةُ الكثيرة القويَّة،"إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ"، كلُّهم كذبُوا الرُّسُلَ رسلهم،"فَحَقَّ عِقَابِ"، فحَقَّ عليهِم عقابي وعذابي، وكذلك يحقُّ على قومِكَ.
وسُمِّيَ فرعونُ ذُو الأوتادِ؛ لأنه كان يَمُدُّ بين الأوتادِ فيُرسِلُ عليهم الحيَّات والعقارب. وَقِيْلَ: إنه كان إذا غَضِبَ على الإنسانِ وَاتَدَ يَدَيْهِ ورجْلَيْهِ ورأسَهُ على الأرضِ، قال عطيَّة: (ذُو الأوتادِ؛ أي ذُو الجنودِ والْجُمُوعِ الكثيرةِ) يعني أنَّهم كانوا يُقَوُّنَ أمرَهُ ويشددون مُلكَهُ كما يُقَوِّي الوتدُ الشيءَ. وَقِيْلَ: الأوتادُ الأَبْنِيَةُ الْمَشِيدَةُ، سُمِّيت بذلك لارتفاعِها كما سُميت الجبالُ أوتَادًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَمَا يَنظُرُ هَاؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً"؛ أي ما ينظر أهلُ مكَّة لوقوعِ العذاب بهم إلاَّ صيحةً واحدةً وهي نفخةُ البعثِ، وذلك أنَّ العقوبةَ في قومِ النبيِّ"مُؤَخَّرَةٌ إلى يومِ البعثِ، وعقوبةُ الأممِ الماضية كانت مُعَجَّلَةً في الدُّنيا ومُؤجَّلةً في الآخرةِ، ألاَ ترَى أنَّ الله تعالى ذكَرَ عقوبةَ الاستئصالِ في الدُّنيا من الأُمم الماضيةِ، وقالَ في هذهِ الأُمَّة"بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ" [القمر:46] ."