ومعنى قولهِ تعالى:"وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ"؛ أي وعَلِمَ داودُ أنَّا امتحنَّاهُ بما قدَّرنا عليه من نظرهِ إلى المرأةِ وافتتانه بها، وهذا قولُ بعضِ المفسِّرين، إلاّ أنَّ هذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لاَ يُظَنُّ بدَاوُدَ عليه السلام ضَلاَلَةٌ، فهو أجَلُّ قدرةً وأعظمُ منْزلَةً، وكيف يُظنُّ بالأنبياءِ عليهم السَّلام أن يعرِّضَ المسلمينَ للقتلِ لتحصيل نسائهم لأنفُسِهم، ومَنْ نَسَبَ الأَنْبيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ إلَى هَذا وَصَدَّقَ بهِ فَهُوَ مِمَّنْ لاَ يَصْلُحُ لإيْمَانِهِ بهِمْ، وَلَئِنْ يُخْطِئَ الإنْسَانُ فِي نَفْيِ الْفَوَاحِشِ عَنْهُمْ خَيْرٌ مِمَّنْ يُخْطِئُ فِي إضَافَتِهَا إلَيْهِمْ، وَقَدْ أُمِرْنَا فِي الشَّرِيعَةِ بحَمْلِ أُمُور الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ مَا أمْكَنَ.
وعن عبدِالله بن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنه قالَ: (مَا زَادَ دَاوُدُ عليه السلام عَلَى أنْ قَالَ لِزَوْجِهَا: تَحَوَّلْ لِي عَنْهَا) . وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: (لَئِنْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقُولُ إنَّ دَاوُدَ عليه السلام قَارَبَ مِنْ تِلْكَ الْمَرَأةِ سُواءً أوْ حَدَّثَ بحَدِيثِ دَاوُدَ عليه السلام عَلَى مَا يَرْويهِ الْقُصَّاصُ مُعْتَقِدًا صِحَّتَهُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً) يعني مثلَ حدِّ قذفِ سائرِ الناس.
وَقِيْلَ: إنَّ ذنبَ داودَ عليه السلام أنه تَمَنَّى أن تكون له امرأةُ أوريا حَلاَلًا، وحدَّثَ نفسَهُ بذلك، فاتفقَ غزوُ أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكهُ، فلما بلغَهُ قتلهُ لم يَجْزَعْ ولم يتوجَّع عليه كما يجزعُ على غيرهِ من جُندهِ إذا هلكَ، ثم تزوَّجَ امرأتَهُ فعاتبَهُ اللهُ على ذلكَ؛ لأن ذنوبَ الأنبياءِ وإن صغُرت فهي عظيمةٌ عند اللهِ.