فهرس الكتاب
وقوله تعالى:"وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ"؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ: وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ،"لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ: (لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى) .
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ:"بَلْ مَتَّعْتُ هَاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ"؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعًا للمعذرةِ،"حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ"؛ أي القرآنُ،"وَرَسُولٌ مُّبِينٌ"؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ"بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ."
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ:"وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ"؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"؛ أي قال كفَّارُ مكَّة: هلاَّ نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القَريتَينِ مكَّة والطائف، وعَنَوا بالرَّجُلين إما الوليدَ بنَ المغيرةِ من مكَّة، وإما أبا مسعودٍ الثقفيِّ من الطائفِ، ظَنُّوا بجهلِهم أنَّ استحقاقَ النبوَّة إنما يكون بشَرفِ الدُّنيا مع اعترافِهم بأنَّ النبيَّ"مِن أرفعِهم نَسبًا."