وهذا إنَّما هو في الدُّنيا، فأمَّا في الآخرةِ فقد عَلِمَ أنه في الجنَّة، وأنَّ مَن كذبَهُ في النار، ألاَ تراهُ يقول:"إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ"؛ وقد أُوحيَ إليه ما يصيرُ إليه الكافرُ والمؤمنُ في الآخرةِ. وَقِيْلَ: معناهُ: وما أدري ماذا أوْمَرُ به في الكفَّار من حربٍ أو سلِمٍ، وما أدري ماذا يفعَلُ اللهُ بهم أيُعَاجِلُهم اللهُ بالعقوبةِ أو يؤخِّرُها عنهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ"أي ما أتَّبعُ إلاَّ القرآنَ ولا أبتَدِعُ من عندي شيئًا،"وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ"؛ أي أُنذِرُكم وأُبَيِّنُ لكم الشرائعَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ"؛ ثم اختلَفُوا، والمرادُ بشاهدٍ في هذه الآيةِ فقالَ مَن ذهبَ إلى أنَّ هذه السُّورةَ مكِّيةٌ كلُّها: أنَّ المرادَ به يَامِينَ بن يامين، فإنَّ عبدَالله بنَ سلام مِمَّن أسلمَ بالمدينةِ، وهذا شاهدٌ قَدِمَ بمكَّة فآمنَ. وَقِيْلَ: إنَّ المرادَ بالشاهدِ مُوسَى عليه السلام كان مِن بني إسرائيلَ، وكان شهادتهُ للنبيِّ"في التوراةِ من تصديقِ القُرآنِ، ومثل القرآن هو التوراةُ."
وقال ابنُ عبَّاس: (هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ) ، رُوي:"أنَّهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فأتَى النَّبيَّ عليه السلام لَيْلًا وشَهِدَ أنَّ نَعتَهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فَآمَنَ بهِ، ثم قالَ: أخْبئْنِي فِي الْبَيْتِ، ثُمَّ أحْضِرِ الْيَهُودَ سَلْهُمْ عَنِّي، فَإنَّهُمْ سَيَذْكُرُونَنِي عِنْدَكَ ويُخْبرُونَكَ بمَكَانِي مِنَ الْعِلْمِ."