قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا"؛ معناهُ: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد أن تَأسِرُوهم وتطلقوهم بغيرِ فداءٍ، وإما تُطلِقُوهم يُفْدَوْنَ بأَسرَاكُم عندَهم أو بمالٍ، والمعنى فإمَّا بعدَ أن تأسِرُوهم إما مَنَنْتُمْ عليهم مَنًّا فأطلقتُموهم بغيرِ عِوَضٍ، وإما أنْ تُفَدُوا فِدَاءً.
وعن ابنِ عبَّاس قال: (هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ"فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ" [التوبة:5] ) . وَإلَيْهِ ذهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ: (لاَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الأَسِيرِ وَلاَ الْفِدَاءُ بالْمَالِ وَلاَ بغَيْرِ الْمَالِ مِنَ الأُسَارَى، وَلاَ يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أهْلِ الْحَرْب) .
ولم يختلف أهلُ التفسيرِ في أنَّ التوبةَ نزلت بعدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ"، ولا خلافَ بين العلماءِ في جواز قتل الأسيرِ وجواز قِسمَةِ الأُسَارَى بين المسلمِين إذا لم يكن الأُسارَى من العرب، وإنما اختَلَفُوا في جواز الْمَنِّ عليهم في مَفَادَاتِهم بالمالِ أو النفس."
قال الشافعيُّ: (يَجُوزُ المَنُّ عَلَيْهِمْ لأَنَّ النَّبيَّ"مَنَّ عَلَى أبي عَزَّةَ الشَّاعِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَ، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذلِكَ لِلْقِتَالِ فَأُسِرَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ"بقَتْلِهِ) . فأجابَ أصحابُنا عن هذا إنَّما مَنَّ عليه كما مَنَّ العربُ، وكان لا يجوزُ استرقاقهُ، وقال أبو يوسف ومحمَّد: (تَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَسِيرِ) .