قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ"؛ ظاهرُ المعنى،"وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ"؛ في الدُّنيا،"وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ"؛ تأكلُ وتشرَبُ ولا تدري ما في غدٍ، كذلك الكفارُ لا يلتَفِتُونَ إلى الآخرة،"وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ"؛ أي منْزِلُهم ومُقَامُهم ومصيرُهم.
وأرادَ بالتمتُّعِ التعيُّشَ في الدنيا في الجهلِ، وشبَّهَ أكلَ الكافرِ بأكلِ الأنعام لأنَّهم يأكلُون للشَّبَعِ لا يَهمُّهم ما في غدٍ، والمؤمنُ هِمَّتُهُ مصروفةٌ إلى أمرِ دينه يأكلُ للقيامِ بعبادة اللهِ لا للشَّبع، ويكون قصدهُ من التَّمتُّع إعفافَ نفسه وزوجتهِ، وابتغاءَ ما كُتِبَ من الولدِ.
وفي الحديثِ عن النبيِّ"أنه قالَ:"مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، فَإنْ كَانَ لاَ بُدَّ: فَثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَاب وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ"وقال الحسنُ: (وَهُوَ أنَّكُمْ إذا أشْبعْتُمْ عَصَيْتُمْ شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ) ."
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ"؛ هذا تحذيرٌ لأهلِ مكَّة بقولهِ: كم أهلَكنا من أهلِ قريةٍ مَن كان أكثرَ عَددًا وأبسطَ مُلكًا ويَدًا من أهلِ قريتِكَ؛ يعني مكَّة التي أخرجَتْكَ أهلُها،"فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ"؛ فلم يكن لَهم ناصرٌ يُنجِيهم من عذاب الله، فحَذِّرْ قومَكَ يا مُحَمَّدُ مثلَ حالَتِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ"؛ معناهُ: حالُ مَن كان على نصرهِ من ربهِ ويقين كحالِ مَن زُيِّنَ له قُبْحُ عملهِ فيعبُدوا الأوثانَ،"وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ"؛ في عبادتِها.