قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ"؛ أي جاءَت غمَرَاتُ الموتِ وأهوالهُ وشدَّتُها التي تَغشَى الإنسانَ وتَغلِبُ على عقلهِ،"بِالْحَقِّ"أي بما يصيرُ إليه من أمرِ الآخرةِ من شَقاوَةٍ أو سَعادةٍ تُحَقَّقُ عليه عندَ الموتِ. ويقالُ له:"ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ"؛ أي تميلُ وتَهربُ وتَكرَهُ، قد أيقَنْتَ أنه الآنَ، يقالُ: حاجَ عنِ الشيء يَحِيدُ عنهُ حَيْدًا؛ إذا مَالَ وزَاغَ ونَكَصَ، وقرأ أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بالْمَوْتِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ"؛ يريدُ نفخةَ البعثِ، يكون يومُ القيامةِ وهو يومٌ يتحقَّقُ فيه الوعيدُ، وهو اليومُ الموعُود للأوَّلين والآخِرين يجتَمعون فيه. وَقِيْلَ: معناهُ: ذلك الذي وعدَ اللهُ الكفارَ أنْ يُعذِّبَهم فيه.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ"؛ أي سائِقٌ يَسُوقُها إلى الْمَحْشَرِ، وشاهدٌ يَشهَدُ عليها بما عَمِلَتْ قال الكلبيُّ: (السَّائِقُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَالشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ) ، والمرادُ بالنَّفْسِ ههُنا نفس الكافر، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى:"لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا"؛ اليومِ في الدُّنيا،"فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ"؛ الذي كان في الدُّنيا يغشَى قلبَكَ وسمعَكَ وبصركَ،"فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ"؛ أي فأنتَ اليومَ عالِمٌ نافذُ البصرِ، تُبصِرُ ما كنتَ تُنكِرُ في الدُّنيا. وَقِيْلَ: معناهُ:"فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ"أي فعِلمُكَ نافذٌ، وهو من البَصِيرَةِ لا بصرَ العينِ، كما يقالُ: فلانٌ بصير بهذا الأمرِ؛ عالِمٌ به. وَقِيْلَ: معناهُ: فبصرُكَ اليوم شاخصٌ لِمَا ترى من الْهَوْلِ.