فهرس الكتاب
وفي الحديث:"أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإذا تَمَكَّنَ مِنْهَا وَقَدَرَ عَلَيْهَا وتَذكَّرَ مَا فِي ارْتِكَابهَا مِنَ الْعِقَاب، وَمَا فِي تَرْكِهَا مِنَ الثَّوَاب، فَتَرَكَهَا فَلَهُ جَنَّتَانِ"هذه صِفتُهما:"ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ"؛ أي ذواتَا أغصانٍ، واحدُها فَنَنٌ وهو الغصنُ المستقيم طُولًا. وقال الزجَّاحُ: (الأَفْنَانُ: الأَلْوَانُ وَالأَغْصَانُ) أي ذواتَي الألوانِ وأصنافٍ من الفاكهةِ لا يُعدَمُ فيه لونٌ من ألوانِها، واحدُها فَنٌّ، وجمعَ عطاءُ بين القولَين فقالَ: (يُرِيدُ فِي كُلِّ غُصْنٍ فُنُونٌ مِنَ الْفَاكِهَةِ) ،"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
وفي ذكرِ الأغصان بيانُ كَثرَةِ الأشجار، وبكثرةِ الأشجار تمامُ حالِ البُستان، فإنَّ البستانَ لا يكملُ إلاَّ بكثرةِ الأشجار، والأشجارُ لا تحسُن إلاَّ بكثرةِ الأغصانِ،"فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ"؛ أي في البساتينِ عَينان تجريان، إحداهما: السَّلْسَبيلُ، والأُخرى: التَّسْنِيمُ، تجرِيان في غيرِ شِقٍّ ولا أُخدُودٍ."فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ"؛ أي نَوعَان وصِنفَان، حلوٌ وحامضٌ، وأحمرٌ وأصفرٌ، ورَطبٌ ويابسٌ. ويقال: صِنفَان: صنفٌ عَهِدُوهُ في الدُّنيا، وصنفٌ لم يَعهَدوهُ ولا خطرَ في قلوبهم،"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى:"مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ"؛ أي جالسِين جلسةَ الملوكِ مُكرَمِين على فُرُشٍ بَطَائِنُها من استبرقَ، البطَانَةُ: الصَّفحَةُ مما يلِي الأَرضَ في البطانةِ، والاستبرقُ: الدِّيبَاجُ المنسوجُ بالذهب.