قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ"؛ أي إذا فَرغتُم من الصَّلاة فانتَشِرُوا في الأرضِ، هذا أمرُ إباحةٍ، قال ابنُ عبَّاس: (إنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ، وَإنْ شِئْتَ فَصَلِّ إلَى الْعَصْرِ، وَإنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ) . وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"؛ إباحةٌ لطلب الرِّزقِ والتجارة والبيعِ بعدَ المنعِ.
وعن ابنِ عبَّاس قال: (لَمْ تُؤْمَرُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ بِطَلَب شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزيَارَةُ أخٍ فِي اللهِ تَعَالَى) . وقال الحسنُ: ("وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ"يَعْنِي طَلَبَ الْعِلْمِ) . والقولُ الأوَّلُ أظهرُ.
واختلفَ العلماءُ في موضعِ وجُوب الْجُمعةِ، وعلى مَن تجبُ، وكم يشتَرطُ له الجماعةُ؟ فقال أبو حنيفةَ: (لاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ إلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ لِقَوْلِهِ عليه السلام:"لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ"وَلاَ تَصِحُّ فِي الْقُرَى، وَلاَ تُجِبُ عَلَى السَّوَادِ وَلَوْ قَرُبَتْ مِنَ الْمِصْرِ، إلاَّ إذا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بهِ) .
وقال الشافعيُّ: (تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أهْلِ السَّوَادِ إذا سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنَ الْمِصْرِ، وَوَقْتُ اعْتِبَار سَمَاعِ الأَذانِ أنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالأَصْوَاتُ هَادِئَةً وَالريِّحُ سَاكِنَةً) .
وقال ابنُ عمرٍو وأبو هريرة وأنس: (تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ مِنَ الْمِصْرِ) . وقال سعيدُ بن المسيَّب: (تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ دُونَ الْمَبيتِ) . وقال الزهريُّ: (عَلَى سِتَّةِ أمْيَالٍ) ، وقال ربيعةُ: (أرْبَعَةُ أمْيَالٍ) ، وقال مالكُ: (ثَلاَثَةُ أمْيَالٍ) .