وعندَ الشافعيِّ: (تَجِبُ الْجُمُعَةُ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا أرْبَعُونَ رَجُلًا أحْرَارًا بَالِغِينَ، لاَ يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلاَ صَيْفًا إلاَّ ظَعْنَ حَاجَةٍ، فَإذا كَانَ كَذلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ. وَإنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ ذلِكَ، وَكَانَ بقُرْبهَا مَوْضِعٌ تُقَامُ فِيْهِ الْجُمُعَةُ، فَعَلَيْهِمُ الْحُضُورُ فِيْهِ لِلْجُمُعَةِ إذا كَانُوا بحَيْثُ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ) . وقال مالكُ: (إذا كَانَتِ الْقَرْيَةُ فِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ وَجَبَ عَلَيهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ) .
وأما أهلُ الوجوب، فتجبُ الجمُعة على كلِّ مسلمٍ إلاَّ على أربعة: عبدٌ؛ أو مريض؛ أو مسافرٌ؛ أو امرأةٌ، فمَنِ استغنَى عنها بلهوٍ أو تجارةٍ استغنَى اللهُ عنه، واللهُ غنيٌّ حميد.
وأما العددُ الذين تنعقد بهم الجمعةُ، فقال الحسنُ: (تَنْعَقِدُ باثْنَيْنِ) ، وقال أبو يوسف والليثُ بن سعد: (بثَلاَثَةٍ) ، وقال أبو حنيفةَ ومحمَّد وسفيان: (بأَرْبَعَةٍ) ، وقال ربيعةُ: (باثْنَي عَشَرَ) ، وقال الشافعيُّ: (لاَ تَنْعَقِدُ إلاَّ بأَرْبَعِينَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا"؛ قال الحسنُ:"أصَابَ أهْلَ الْمَدِينَةِ جُوعٌ َوَغَلاَءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَ دَحِيَّةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبيُّ مِنَ الشَّامِ بتِجَارَةٍ، وَكَانَ يَقْدُمُ الْمَدِينَةَ بكُلِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَبُرٍّ وَغَيْرِهِ، فَيَنْزِلُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ وَيَضْرِبُ الطَّبْلَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ بقُدُومِهِ، فَيَخْرُجُونَ إلَيْهِ لِيَبْتَاعُوا مِنْهُ."