فهرس الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ"؛ أي ليس لَهُ في الآخرةِ قريبٌ ينفعهُ ويحميه،"وَلاَ طَعَامٌ"؛ يشبعهُ،"إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ"؛ وهو ماءٌ يَسِيلُ من أجسامِ أهلِ النَّار من الصديدِ والقيح والدَّمِ، وكلُّ جُرْحٍ غَسلتَهُ فخرجَ منه شيءٌ فهو غِسْلِينٌ، قال ابنُ عبَّاس: (لَوْ أنَّ قَطْرَةً مِنَ الْغِسْلِينِ وَقَعَتْ فِي الأَرْضِ أفْسَدَتْ عَلَى النَّاسِ مَعَايشَهُمْ) .
قوله تعالى:"لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ"؛ أي لا يأكلهُ إلاَّ من يخُطئُ وخَطَؤُهم الشركُ، وعن عكرمةَ قال: (قَرَأنَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ(لاَ يَأْكُلُهُ إلاَّ الْخَاطِئُونَ) فَقَالَ: مَهْ كُلُّنَا نُخْطِئُ). والخطأُ في الآيةِ ضدُّ الصَّواب لا ضدُّ العمدِ. والذي ذكرَهُ اللهُ في قوله:"لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ" [الغاشية:6] لا يخالفُ ما في هذه الآياتِ، ولأن النارَ درَكَاتٌ، فمنهم مَن طعامهُ الغِسْلِين، ومنه من طعامهُ الضَّرِيعُ، ومنهم من طعامهُ الزَّقُّومُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى:"فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ"؛ معناهُ: أُقسِمُ بما تُشاهِدون مِمَّا في السَّماء والأرضِ، وبما لا تُشاهِدُون مما وراءَ السَّماء والأرضِ،"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ"؛ إنَّ القرآنَ لقولُ جبريلَ عليه السلام يرويهِ إلى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
والقرآنُ قولٌ أقسَمَ اللهُ بجميعِ ما خلَقَ إعظامًا للقَسَمِ، وذكرَ في أوَّل الآيةِ (لاَ) وذلك لأنه قد يُزَادُ في القسَمِ كما يقالُ: لاَ واللهِ لا أفعَلُ كذا، ويجوزُ أن تكون (لاَ) هاهنا صلةٌ في الكلامِ مولَّدَةٌ، وهو قولُ البصرِيِّين. ويجوزُ أن تكون لرَدِّ مقالةِ الكفَّار عليهم، وهو قولُ الفرَّاء، والمعنى: ليس كما يقولُ المشركون أُقسِمُ بما تُبصِرون.