فلمَّا سمِعُوا القرآنَ رقَّت له قلوبُهم، ودنَا بعضُهم من بعضٍ حُبًّا للقرآنِ حتى كَادُوا يتساقَطون على النبيِّ"وهو لا يعلم، وقالُوا: هذا الذي حالَ بينَنا وبين خبرِ السَّماء، فذلك قَوْلُهُ تَعالَى:"وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ" [الأحقاف:29] فآمَنُوا بالنبيِّ"ورجَعُوا إلى قومِهم مُنذرين، ولم يأْتُوا إبليسَ.
وقالوا لقَومِهم:"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا"أي بَليغًا ذا عَجَبٍ يُعجَبُ من بلاغتهِ وحُسنِ نَظْمِهِ،"يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"؛ أي يَدعُو إلى الصَّواب من التوحيدِ والإيمان،"فَآمَنَّا بِهِ"؛ وصدَّقنَا به أنَّهُ مِن عندِ الله،"وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا"؛ من بعدِ هذا اليومَ، وكما أشركَ إبليسُ.
"فاستجابَ لهم جماعةٌ من الجنِّ فجَاءوا بهم إلى النبيِّ صلى الله عليهم وسلم، فأقرَأهُم القرآنَ فآمَنُوا به، وقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَرْضَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجْلٌ لَيْسَ لَنَا فِيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ":"لَكُمُ الرَّوْثُ وَكُلُّ أرْضٍ سَبْخَةٍ تَنْزِلُونَ بهَا تَكُونُ مُكَلَّبَةً لَكُمْ، وَلَكُمُ الْعَظْمُ، وَكُلُّ عَظْمٍ مَرَرْتُمْ عَلَيْهِ تَجِدُونَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ حَيْثُ يَكُونُ""."
ثُم يُكرَهُ أن يُستَنجَى بالعظمِ والرَّوثِ. ثم انصرَفتِ الجنُّ عنه، فأوحَى اللهُ إليه بهذه الآياتِ لبيان أنَّ الجنَّ لَمَّا ظهرَ لهم الحقُّ اتبعوهُ، فالإنسُ أولى بذلك لأنَّهم ولدُ آدمَ، فكان المخالفُ منهم ألْوَمَ.